محمد معيط لـ«العين الإخبارية»: الاقتصاد المصري تجاوز أصعب المراحل.. والبرنامج مع صندوق النقد يسير نحو نهايته
بعد نحو 4 سنوات من بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي، تستعد مصر لدخول المرحلة الأخيرة من البرنامج الحالي الممتد حتى نهاية 2026، عقب توصل الصندوق إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة.
وخلال السنوات الماضية، مر الاقتصاد المصري باختبارات استثنائية، بداية من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية، مروراً بأزمة نقص العملة الأجنبية واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار، وصولاً إلى التوترات الجيوسياسية في المنطقة التي فرضت ضغوطاً إضافية على الاقتصاد.
وفي هذا الحوار مع "العين الإخبارية "، يكشف المدير التنفيذي، عضو مجلس المديرين التنفيذيين، ممثل المجموعة العربية والمالديف بصندوق النقد الدولي، ووزير المالية المصري السابق، الدكتور محمد معيط، تقييمه لمسار برنامج الإصلاح، ومستقبل التعاون مع الصندوق، ورؤيته لمعدلات التضخم وسعر الصرف والدين العام، إضافة إلى أبرز التحديات التي تنتظر الاقتصاد المصري خلال المرحلة المقبلة.
المراجعة السابعة.. الطريق ممهد إلى المحطة الأخيرة
أعلن صندوق النقد الدولي قبل أيام التوصل إلى اتفاق على مستوى الخبراء بشأن المراجعة السابعة لبرنامج التمويل الممتد مع مصر، وهو ما يمهد لعرض الملف على المجلس التنفيذي للصندوق لاعتماد الاتفاق وصرف الشريحة المرتبطة بالمراجعة.
ورغم ما أثير خلال الأشهر الماضية بشأن بطء تنفيذ برنامج الطروحات الحكومية، فإن الصندوق أكد استمرار إحراز تقدم في الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية.
وسألت "العين الإخبارية " الدكتور محمد معيط: هل استوفت مصر جميع مستهدفات المراجعة السابعة؟ وهل توجد إصلاحات جرى ترحيلها إلى المراجعة الأخيرة؟
قال معيط إن الاتفاق على مستوى الخبراء يعكس نجاح مصر في تحقيق المستهدفات الرئيسية للمراجعة السابعة، موضحاً أن البرنامج يسير وفق الإطار الزمني المتفق عليه مع صندوق النقد.
وأضاف أن اعتماد المراجعة من المجلس التنفيذي هو الخطوة التالية، مشيراً إلى أن الاتفاق نفسه يعد دليلاً على أن مسار الإصلاح يسير بصورة إيجابية، وأن البرنامج يتجه نحو المراجعة الثامنة والأخيرة المقررة قبل انتهاء البرنامج في ديسمبر/كانون الأول 2026.
وأوضح أن الحديث عن بعض الملفات، مثل برنامج الطروحات، لا يعني خروجها عن إطار البرنامج، وإنما يجري التعامل معها وفق الجدول الزمني المتفق عليه مع الصندوق.
- السيسي يصدر قانون إعادة تنظيم جهاز مستقبل مصر للتنمية المستدامة
- إنتاج قياسي.. مصر تبني قوة نفطية تتجاوز تأمين السوق المحلي
هل يتبقى شيء قبل صرف الشريحة الجديدة؟
وحول موعد صرف الشريحة الجديدة، أوضح معيط أن الأمر بات مرتبطًا بإجراءات صندوق النقد الداخلية، قائلاً إن المجلس التنفيذي لم يحدد موعد اجتماعه حتى الآن لاعتماد نتائج المراجعة السابعة، لكنه وفقاً لمسؤولي صندوق النقد الدولي في المؤتمر الأخير سيكون الصرف خلال هذا الفصل.
وأضاف أن الصندوق أعلن بالفعل انتهاء المراجعة على مستوى الخبراء، وبالتالي فإن المرحلة المقبلة تتمثل في عرض الاتفاق على المجلس التنفيذي لاتخاذ القرار النهائي، وهو الإجراء المعتاد في جميع برامج التمويل.
سعر الصرف.. كيف انتهت أزمة الدولار؟
ويُعد ملف سعر الصرف أحد أبرز محاور برنامج الإصلاح الاقتصادي الحالي، فبعد اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية وخروج استثمارات أجنبية ضخمة من أدوات الدين الحكومية، واجهت مصر نقصاً حاداً في النقد الأجنبي، واتسعت الفجوة بين السعر الرسمي وسعر الدولار في السوق الموازية، الذي اقترب خلال يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 2024 من 70 جنيهاً للدولار، في ظل تعثر المراجعات الأولى لبرنامج صندوق النقد.
لكن المشهد تغير بصورة كبيرة في 6 مارس/آذار 2024، عندما أعلن البنك المركزي المصري تحرير سعر الصرف، بالتزامن مع رفع أسعار الفائدة 600 نقطة أساس، وإبرام اتفاق لزيادة برنامج صندوق النقد إلى 8 مليارات دولار، إلى جانب صفقة تطوير مدينة رأس الحكمة التي وفرت تدفقات دولارية كبيرة.
وقال معيط إن مرونة سعر الصرف تمثل أحد أهم أعمدة البرنامج الاقتصادي، لأنها تجعل الاقتصاد أكثر قدرة على امتصاص الصدمات الخارجية.
وأوضح أن البنك المركزي التزم بهذا النهج منذ مارس/آذار 2024، بالتوازي مع إنهاء أزمة الطلبات الدولارية المتراكمة داخل القطاع المصرفي، وهو ما ساعد على القضاء على السوق الموازية، واستعادة الثقة في سوق النقد الأجنبي.
وأضاف أن نجاح هذا المسار انعكس في ارتفاع الاحتياطيات الدولية، وتحسن مؤشرات الاقتصاد الكلي، وهو ما مهد لإتمام المراجعة السابعة.
التضخم.. لماذا يشعر المواطن بأن الأسعار لا تزال مرتفعة؟
ورغم التراجع الكبير في معدلات التضخم مقارنة بذروة الأزمة، فإن الأسعار لا تزال تمثل التحدي الأكبر أمام المواطنين.
وكان البنك المركزي المصري قد أكد في أحدث بياناته أن السياسة النقدية تستهدف الوصول بمعدل التضخم إلى 7% (±2%) بحلول الربع الرابع من عام 2026، بينما أظهرت بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء استمرار تباطؤ التضخم السنوي مقارنة بالمستويات القياسية التي تجاوزت 38% في سبتمبر/أيلول 2023.
وسألت "العين الإخبارية " معيط عن مدى اعتبار الضغوط التضخمية الحالية مؤقتة، وإمكانية عودة البنك المركزي إلى تشديد السياسة النقدية.
وقال إن التضخم يُحسب وفق معايير دولية تعتمد على سلة واسعة من السلع والخدمات، ولذلك قد يشعر المواطن بأن الزيادة الفعلية في بعض السلع أكبر من المعدلات الرسمية.
وأضاف أن الاتجاه العام للتضخم أصبح هبوطياً مقارنة بالعامين الماضيين، لكن استمرار هذا المسار يرتبط بعدم تعرض الاقتصاد لصدمات خارجية جديدة، سواء في أسعار الطاقة أو الغذاء أو سلاسل الإمداد العالمية.
هل تحتاج مصر إلى برنامج جديد مع صندوق النقد؟
ومع اقتراب انتهاء البرنامج الحالي بنهاية 2026، تثار تساؤلات بشأن مستقبل العلاقة مع صندوق النقد، قال معيط إن الأصل هو أن يحقق البرنامج الحالي أهدافه بالكامل، وفي مقدمتها استعادة الاستقرار الاقتصادي الكلي وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات.
وأوضح أن أي قرار بشأن برنامج جديد لن يعتمد على موعد انتهاء البرنامج الحالي، وإنما على احتياجات الاقتصاد المصري في ذلك الوقت، مشيرًا إلى أن جميع الدول تضع خططًا اقتصادية متجددة حتى بعد انتهاء برامجها مع المؤسسات الدولية.
وأضاف أن الاقتصاد سيظل يواجه تحديات داخلية وخارجية، ولذلك فإن المهم هو وجود رؤية واضحة لتحقيق نمو اقتصادي مستدام، وزيادة الإنتاج والصادرات، وتحسين موارد الدولة من العملات الأجنبية.
وأكد أن اللجوء إلى صندوق النقد يجب أن يظل استثناءً وليس قاعدة، موضحاً أن الهدف النهائي هو أن يعتمد الاقتصاد على موارده الذاتية وقدرته على جذب الاستثمار.
الاحتياطي وتحويلات المصريين.. مصادر القوة الحقيقية
وأشار معيط إلى أن قوة الاقتصاد لا تُقاس فقط باستقرار سعر الصرف، وإنما أيضاً بقدرته على توفير موارد مستدامة من النقد الأجنبي، ويأتي ذلك في وقت ارتفع فيه صافي الاحتياطيات الدولية إلى 55.07 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران 2026، وهو أعلى مستوى في تاريخ مصر.
كما ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج بنسبة 33.2% خلال أول عشرة أشهر من العام المالي 2025-2026، لتصل إلى 39.2 مليار دولار، إلى جانب استمرار نمو الصادرات غير البترولية وإيرادات السياحة.
وقال معيط إن استمرار تنمية هذه الموارد يمثل الضمان الحقيقي لاستقرار سوق الصرف، وتقليل الحاجة إلى الاقتراض الخارجي.
الدين العام.. المؤشرات أهم من الرقم
وحول مستويات الدين، قال معيط إن تقييم الدين العام لا يعتمد على حجمه فقط، وإنما على مجموعة من المؤشرات، مثل نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي، وقدرة الدولة على السداد، وحجم الإيرادات مقارنة بالالتزامات.
وأشار إلى أن الحكومة تستهدف مواصلة خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع زيادة معدلات النمو، وتحقيق فوائض أولية في الموازنة.
وأوضح أن الدولة نجحت بالفعل في خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي بصورة ملحوظة خلال الفترة الأخيرة، مع استمرار العمل على تعزيز الاستدامة المالية.
وتشير أحدث بيانات وزارة المالية إلى أن الحكومة تستهدف خفض الدين العام لأجهزة الموازنة إلى نحو 81% من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام المالي 2026-2027، مقابل مستويات تجاوزت 96% قبل عدة سنوات، في إطار استراتيجية تستهدف تقليص أعباء الدين وإطالة متوسط عمره وخفض تكلفة خدمته.
كما تعتمد الحكومة على تحقيق فوائض أولية في الموازنة، وتنويع مصادر التمويل، والتوسع في أدوات التمويل منخفضة التكلفة، إلى جانب زيادة الإيرادات الضريبية وغير الضريبية، بما يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها دون التأثير على مسار الإنفاق التنموي.
وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن رصيد الدين الخارجي اتجه إلى التراجع خلال الفترة الأخيرة، بعد أن بلغ مستويات قياسية في عام 2023 نتيجة تداعيات الأزمات الاقتصادية العالمية وارتفاع تكلفة التمويل. وانخفض رصيد الدين الخارجي إلى نحو 152.9 مليار دولار بنهاية ديسمبر/كانون الأول 2025، مقابل نحو 155.2 مليار دولار بنهاية يونيو/حزيران 2025، بعدما كان قد تجاوز 168 مليار دولار خلال عام 2023.
ويعكس هذا التراجع تحسن تدفقات النقد الأجنبي إلى الاقتصاد المصري، مدعومًا بزيادة تحويلات المصريين العاملين بالخارج، وتعافي قطاع السياحة، ونمو الصادرات، إلى جانب تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وفي مقدمتها صفقة تطوير مدينة رأس الحكمة، فضلًا عن اتباع الحكومة سياسة تستهدف إدارة الدين الخارجي عبر إطالة آجال الاستحقاق، وخفض تكلفة الاقتراض، والاعتماد بصورة أكبر على التمويل طويل الأجل، بما يعزز قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها الخارجية ويحافظ على الاستدامة المالية.
الاقتصاد غير الرسمي.. الدمج هو الحل
وفيما يتعلق بالاقتصاد غير الرسمي، أكد معيط أن هذا القطاع لن يختفي بصورة كاملة في أي دولة، لكن الهدف يتمثل في تقليص حجمه تدريجياً.
وأوضح أن الميكنة، والتحول الرقمي، وتكامل قواعد البيانات، وتقديم الحوافز للمشروعات الصغيرة، تمثل أدوات رئيسية لتشجيع العاملين في الاقتصاد غير الرسمي على الاندماج داخل الاقتصاد الرسمي.
وأضاف أن نجاح هذه السياسات سيؤدي إلى توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين بيئة الاستثمار، وزيادة فرص النمو الاقتصادي.