اليوم الثاني لاجتماعات نيروبي.. ورقة سلام سودانية تبدأ بالمسار الإنساني
تواصلت في العاصمة الكينية نيروبي، لليوم الثاني، اجتماعات القوى السودانية الموقعة على «إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد»، وسط مساعٍ لصياغة خارطة طريق سياسية وإنسانية لإنهاء الحرب المستمرة في السودان منذ أبريل/نيسان 2023.
وتأتي الاجتماعات الحالية استكمالًا لاجتماعات ديسمبر/كانون الأول 2025 التي شهدت تأسيس «إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد»، باعتباره أول اصطفاف واسع للقوى السودانية الرافضة للحرب، والقائم على مبدأ «لا حل عسكريًا للأزمة السودانية».
ويشارك في الاجتماعات تحالف القوى المدنية والسياسية «صمود» برئاسة عبدالله حمدوك، إلى جانب رئيس حركة/جيش تحرير السودان عبد الواحد محمد نور، وممثلين عن أحزاب سياسية ونقابات ومنظمات مجتمع مدني وشخصيات عامة.
وكان اليوم الأول للاجتماعات قد ركز على ضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون أنفسهم، تقوم على ثلاثة مسارات متزامنة: المسار الإنساني، ومسار وقف إطلاق النار، والمسار السياسي، مع التأكيد على ضرورة معالجة جذور الأزمة السودانية المرتبطة ـ بحسب المشاركين ـ بالفشل التاريخي في إدارة التنوع والصراعات الممتدة منذ خمسينيات القرن الماضي.
وفي اليوم الثاني، ناقش المشاركون ورقة «المسار الإنساني» ضمن خارطة الطريق السياسية لإنهاء الحرب، والتي قدمها الدكتور صلاح الأمين والأستاذ محمد الشابك، وركزت بصورة أساسية على مقترحات عملية لوقف التدهور الإنساني وبناء مسار سلام مستدام.
خارطة سلام
واقترحت الورقة إعلان هدنة إنسانية محددة زمنيًا، تشمل الوقف الكامل للعمليات العدائية والتحركات العسكرية الرامية إلى السيطرة على مواقع جديدة، مع تجميد القوات في مواقعها الحالية، وفتح ممرات آمنة لوصول المساعدات الإنسانية وفرق الإغاثة.
كما تضمنت المقترحات منع استهداف المدنيين والبنية التحتية والمنشآت الخدمية والمخازن الزراعية والمحاصيل، إلى جانب إنشاء مناطق فاصلة بين القوات عبر خرائط متفق عليها ومحدثة، مع ضمان انسحاب القوات من الأعيان المدنية والخدمية وتأمين حيادها الكامل.
وتعاملت الورقة مع الملف الإنساني بوصفه جزءًا من المسار السياسي لإنهاء الحرب، وليس مجرد استجابة إغاثية مؤقتة، حيث أكد المشاركون أن وقف التدهور الإنساني يمثل مدخلًا أساسيًا لبناء الثقة وإطلاق عملية سلام أوسع.
وطرحت الورقة مجموعة من الأولويات الإنسانية العاجلة، من بينها استعادة خدمات الصحة والمياه والكهرباء والتعليم، وإعطاء أولوية خاصة للمناطق المحاصرة والمعزولة في دارفور وكردفان ومناطق مثل الأبيض والدلنج، التي تواجه أوضاعًا إنسانية متفاقمة نتيجة استمرار العمليات العسكرية.
كما ناقش المشاركون توسيع برامج الحماية للنساء والأطفال والناجين من العنف، في ظل تزايد الانتهاكات الإنسانية واتساع رقعة النزوح داخل السودان وخارجه.
وفي الجانب الاقتصادي والمعيشي، دعت الورقة إلى حماية سلاسل الإمداد الزراعي والأسواق المحلية، وتوفير المدخلات الزراعية لمنع تفاقم المجاعة، إضافة إلى توجيه التمويل بصورة مباشرة إلى المنظمات المحلية والمبادرات القاعدية والكوادر الطبية الميدانية العاملة داخل مناطق النزاع.
وتطرقت الاجتماعات كذلك إلى مقترح إنشاء «اللجنة العليا لتنسيق العمل الإنساني»، بمشاركة ممثلين عن الأطراف المختلفة والمنظمات الدولية والمبادرات المدنية، على أن تتولى الإشراف على تنفيذ اتفاقات وقف إطلاق النار، ورصد المساعدات الإنسانية، ورسم خرائط الممرات الآمنة، وضمان الشفافية في توزيع الإغاثة.
وخلال الجلسة الافتتاحية للاجتماعات، كان الدكتور عبد الله حمدوك قد شدد على أن السودان يواجه «معركة وجودية»، معتبرًا أن الحرب الحالية ليست حدثًا منفصلًا بل امتداد لأزمة تاريخية طويلة. كما دعا إلى التوافق على «عقد اجتماعي جديد» يؤسس لدولة تقوم على المواطنة واحترام التنوع، مع وضع خارطة طريق واضحة للحوار السوداني.
من جانبه، أكد عبد الواحد محمد نور أن الحرب الحالية ليست مجرد صراع بين الجيش والدعم السريع، بل امتداد لأزمة أعمق تعود جذورها إلى عقود، داعيًا إلى «علاج حقيقي» للأزمة بدل الاكتفاء بالحلول المؤقتة أو «المسكنات».
وتراهن القوى المدنية السودانية على أن تمثل مخرجات نيروبي خطوة أولى نحو إطلاق حوار سوداني أوسع، قد يقود إلى تسوية سياسية شاملة تنهي الحرب وتعيد رسم ملامح المرحلة الانتقالية ومستقبل الدولة السودانية.