من السجائر إلى السيادة.. بالونات «الحرب الهجينة» تُربك أمن بولندا
على تخوم الجناح الشرقي لـ«الناتو»، لم تعد التهديدات تُقاس بحجم الصواريخ أو هدير الطائرات المقاتلة، بل بأجسام صامتة تحلّق في الظلام.
فبينما كانت أوروبا تراقب خطوط التماس التقليدية مع موسكو، اخترقت «بالونات» قادمة من بيلاروسيا المجال الجوي البولندي، في مشهد يختصر تحول الصراع من مواجهة عسكرية مباشرة إلى حرب رمادية تتقنها روسيا وحلفاؤها، حيث تختبر الأعصاب والأنظمة والحدود دون إطلاق رصاصة واحدة.
وما تصفه وارسو بـ«العملية الهجينة» عبرت خلالها «أجسام تشبه البالونات» ليلا إلى البلاد من بيلاروسيا، ليس حادث تهريب معزولا، بل حلقة جديدة في نمط متصاعد من الضغط المنخفض الشدة على دول الطوق الشرقي للحلف الأطلسي.
وقالت السلطات البولندية إن عدة موجات من البالونات المحملة بالسجائر المهربة عبرت من بيلاروسيا إلى مجالها الجوي خلال ما يزيد قليلًا عن شهر، وفقا لما ذكرته مجلة «نيوزويك» الأمريكية.
ويمكن اعتبار البالونات التي تنقل الممنوعات جزءًا من تكتيكات الحرب الهجينة، وهو مصطلح يشير إلى مجموعة من الأنشطة التي لا تصل إلى حد القتال المباشر، مثل الهجمات الإلكترونية، والحملات الإعلامية، أو استهداف البنية التحتية الحساسة.
وبشكل متزايد، حذرت دول الناتو خاصة تلك القريبة من الأراضي الروسية على الحافة الشرقية للحلف، من أن روسيا تتمتع بمهارة عالية في الحرب الهجينة.
وفي حين تعد بيلاروسيا من أقرب حلفاء موسكو، تعزز بولندا ودول البلطيق (إستونيا ولاتفيا وليتوانيا) دفاعاتها البرية بالقرب من الأراضي البيلاروسية والروسية.
وفي بيان منشور على الإنترنت الخميس، ذكرت القيادة العملياتية البولندية أن رادارات الجيش البولندي رصدت الأجسام «باستمرار».
وفرضت السلطات «قيودًا مؤقتة» على النشاط المدني كإجراء احترازي في جزء من المجال الجوي فوق منطقة بودلاسكي، شمال شرق وارسو، والمتاخمة للحدود البيلاروسية.
وقال الجيش البولندي: «يجب التأكيد على أن هذا النوع من الحوادث يندرج ضمن سلسلة العمليات الهجينة التي تتعامل معها بولندا على الجبهة الشرقية».
وأضاف: «يجرى رصد الوضع باستمرار، وتبقى قوات وموارد القوات المسلحة لجمهورية بولندا على أهبة الاستعداد لتنفيذ المهام المتعلقة بحماية المجال الجوي البولندي».
كانت بولندا قد استدعت مطلع الشهر الجاري القائم بالأعمال البيلاروسي على خلفية اختراق سابق للمجال الجوي بواسطة أجسام يُعتقد أنها بالونات تهريب.
وفي 17 يناير/كانون الثاني، قالت الشرطة البولندية إن البلاد شهدت ازديادًا في عدد بالونات التهريب المحملة بالسجائر المهربة قرب الحدود البيلاروسية.
وأضافت: «ندرك تمامًا أن الوضع الراهن جزء من عمليات هجينة أوسع نطاقًا.. هدفهم ليس فقط اختبار أنظمتنا، بل وقبل كل شيء إثارة اضطرابات اجتماعية».
وفي 26 ديسمبر/كانون الأول الماضي، قالت الشرطة البولندية إن الجيش أبلغ ضباطه بأن «عشرات الأجسام الطائرة، يُرجح أنها بالونات تهريب»، قد عبرت إلى بولندا من بيلاروسيا عشية عيد الميلاد.
وخلال عمليات تفتيش في المناطق الحدودية، عثرت الشرطة على سبعة بالونات وأفادت وسائل إعلام محلية بأن 59 بالونًا قد انتهكت المجال الجوي البولندي.
وفي ليتوانيا، أجبرت بالونات تحمل سجائر من بيلاروسيا المسؤولين على إغلاق مطار فيلنيوس، وهو المطار الرئيسي للبلاد، لعدة ساعات في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وأعلن حلف الناتو في سبتمبر/أيلول الماضي أنه سيعزز وجوده الجوي على طول حدوده الشرقية، بعد يومين من عبور نحو 20 مسيرة روسية إلى بولندا في 10 سبتمبر/أيلول.
ونفت موسكو حينها استهدافها لبولندا عمدًا، لكن رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك وصف الحادث بأنه "أقرب ما وصلنا إليه من صراع مفتوح منذ الحرب العالمية الثانية".
aXA6IDIxNi43My4yMTYuMTQg جزيرة ام اند امز