قبيل قمة الناتو.. ترامب يجدد معركة «الإنفاق الدفاعي»
واصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتقاداته لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، معتبرًا أن الولايات المتحدة تتحمل العبء المالي الأكبر مقارنة بحلفائها، قبيل القمة المرتقبة لقادة الحلف في أنقرة الأسبوع المقبل.
وتأتي تصريحات ترامب في ظل توترات داخل الحلف، على خلفية رفض عدد من أعضائه الانخراط في الحرب الأمريكية على إيران، إلى جانب الخلافات بشأن غرينلاند، واستمرار تهديداته بإعادة النظر في التزام واشنطن بالحلف، بحسب مجلة «نيوزويك».
وقال ترامب، في منشور على منصة «تروث سوشيال»، إن الولايات المتحدة تنفق 999 مليار دولار على الدفاع، مقابل 90.5 مليار دولار لبريطانيا، و66.5 مليار دولار لفرنسا، و48.8 مليار دولار لإيطاليا، و44.3 مليار دولار لبولندا، واصفًا هذا التفاوت بأنه «أمر سخيف».
إلا أن مراجعة بيانات «الناتو» تظهر أن 4 من الأرقام التي أوردها تتطابق مع التقرير السنوي للحلف للفترة (2014-2025)، باستثناء الرقم الخاص بالولايات المتحدة؛ إذ يقدّر الحلف الإنفاق الدفاعي الأمريكي لعام 2025 بنحو 980 مليار دولار، وليس 999 مليارًا.
الإنفاق الدفاعي ليس تمويلًا للحلف
تكشف بيانات الحلف أن الأرقام التي استند إليها ترامب تمثل ميزانيات الدفاع الوطنية للدول الأعضاء، وليس مساهماتها في الميزانية المشتركة لـ«الناتو».
وتبلغ الميزانية المشتركة للحلف، المخصصة لتمويل المقرات والقيادات والبنية التحتية والبرامج المشتركة، نحو 6.3 مليار دولار في عام 2026، تتحمل الولايات المتحدة منها نحو 15%، أي أقل من مليار دولار.
وبذلك، تؤكد الوثيقة نفسها التي استند إليها ترامب أن الجزء الأكبر من الإنفاق العسكري الأمريكي يذهب إلى القوات المسلحة الأمريكية واستراتيجيتها العسكرية العالمية، وليس إلى تمويل الحلف.
ومع ذلك، تبقى الفجوة في الإنفاق الدفاعي بين الولايات المتحدة وبقية الحلفاء كبيرة؛ إذ تشير تقديرات «الناتو» إلى أن الإنفاق الدفاعي الأمريكي بلغ نحو 980 مليار دولار في عام 2025، مقابل نحو 608 مليارات دولار أنفقتها الدول الثلاثون الأخرى مجتمعة.
وشكل هذا التفاوت محورًا رئيسيًا في النقاشات داخل الحلف خلال العقد الماضي، وأسهم في دفع الدول الأعضاء إلى زيادة إنفاقها الدفاعي.
وفي قمة لاهاي عام 2025، اتفق الحلفاء على رفع الاستثمار الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2035، منها 3.5% للقدرات العسكرية الأساسية.
كما ارتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي والكندي بنحو 20% بالقيمة الحقيقية خلال عام 2025، ليصل إلى أكثر من 571 مليار دولار (بحسابات أسعار عام 2021)، فيما حقق جميع الحلفاء، للمرة الأولى، الحد الأدنى السابق البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وسبق أن أقر الأمين العام لحلف «الناتو» مارك روته، في مارس/آذار الماضي، بأن الحلفاء الأوروبيين وكندا «اعتمدوا لفترة طويلة بصورة مفرطة على القوة العسكرية الأمريكية».
ما الذي تغفله رواية ترامب؟
ويتجاهل خطاب ترامب أن المادة الخامسة من معاهدة الحلف، التي تنص على اعتبار أي هجوم على أحد الأعضاء هجومًا على الجميع، لم تُفعّل سوى مرة واحدة منذ تأسيس «الناتو»، وكان ذلك عقب هجمات 11 سبتمبر/أيلول 2001 دعمًا للولايات المتحدة.
وعقب تلك الهجمات، أطلق الحلف عملية «إيجل أسيست»، التي شاركت فيها سبع طائرات للإنذار المبكر وأكثر من 830 عسكريًا من 13 دولة، ونفذت أكثر من 360 طلعة جوية لحماية الأجواء الأمريكية.
كما شاركت دول حليفة، من بينها بريطانيا، في الحرب بأفغانستان، وتكبدت خسائر بشرية وأنفقت مليارات الدولارات.
وتستفيد الولايات المتحدة أيضًا من شبكة واسعة من قواعدها العسكرية المنتشرة في أوروبا، من بينها ليكنهيث وميلدنهال في بريطانيا، ورامشتاين وسبانغدالم في ألمانيا، وأفيانو في إيطاليا، ولاجيس في جزر الأزور، وإنجرليك في تركيا، وهو ما يمنح قواتها قدرة كبيرة على الانتشار السريع في أوروبا ومناطق أخرى.
وأكد قائد القيادة الأوروبية الأمريكية، الجنرال أليكسوس غرينكويتش، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، أن المهمة الأساسية لقيادته تتمثل في توظيف الموقع الجغرافي لأوروبا وقدراتها العسكرية والاقتصادية لحماية المصالح الأمريكية الحيوية.
كما أشار سلفه، الجنرال كريستوفر كافولي، إلى أن البنية العسكرية الأمريكية في أوروبا تتيح لواشنطن توسيع قدرتها على نشر القوة العسكرية عالميًا.
ولا تقتصر أهمية التحالف على الجانب العسكري؛ إذ ترتبط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بأكبر علاقة تجارية في العالم، إذ بلغ حجم تجارة السلع بينهما نحو 1.05 تريليون دولار خلال عام 2025، إضافة إلى نحو 500 مليار دولار في تجارة الخدمات خلال عام 2024، وفق بيانات الممثل التجاري الأمريكي.
وفي هذا السياق، أشارت «نيوزويك» إلى أن الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا لا يقتصر على توفير مظلة أمنية للحلفاء، بل يخدم أيضًا المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لواشنطن، ويحافظ على استقرار أحد أكبر شركائها التجاريين، فضلًا عن توفير بنية تحتية متقدمة تتيح للقوات الأمريكية تنفيذ عملياتها العسكرية في مناطق مختلفة من العالم.