مستقبل نتنياهو بين لائحة الاتهام والإدانة
وضع نتنياهو بعد صدور لائحة الاتهام الرسمية ضده تضعه في موقف محرج أمام الرأي الإسرائيلي والناخبين الإسرائيليين
حامت شبهات الفساد حول بنيامين نتنياهو منذ عدة سنوات، عندما كان رئيسا للوزراء فعليا، وعندما أصبح رئيسا لوزارة تسيير الأعمال منذ انتخابات الكنيست الحادية والعشرين ثم الانتخابات الثانية والعشرون للكنيست، أبريل/نيسان عام 2019 وسبتمبر/أيلول من العام نفسه على التوالي.
تطور الاتهامات
مرت هذه الشبهات حول فساد رئيس الوزراء بمراحل قانونية مختلفة، حيث ظلت في المرحلة الأولى "شبهات"، وهو ما يعني أنها وقائع في طور البحث والحصول على المعلومات من قبل الأجهزة الأمنية وفقا للقانون، وانتهت هذه المرحلة بعدة تقارير أمنية وبوليسية حول هذه الوقائع للمدعي العام الإسرائيلي.بعد دراسة هذه التقارير والوقائع المضمنة منها واستحقاق هذه الشبهات لمزيد من البحث والاستقصاء من قبل المدعي العام الإسرائيلي أفيخاي مندلبليت تقرر الانتقال إلى مرحلة التحقيقات التي استمرت فترة زمنية أخرى، للتأكد من صدق هذه الوقائع واستحقاق الشخص المعني، أي بنيامين نتنياهو، أن توجه إليه تهم محددة، وهي المرحلة التي أعلن عنها المدعي العام الإسرائيلي في 21 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2019.
صدرت لائحة اتهام ضد بنيامين نتنياهو تتضمن 3 قضايا، تحدد في كل منها التكييف القانوني لهذه التهم، وذلك بعد عدة جلسات استماع لفريق الدفاع عن "رئيس الوزراء" تسيير الأعمال، حاول فيها ذلك الفريق تخفيف هذه التهم أو التشكيك في مصداقيتها أو نفيها جملة أو تفصيلا، بيد أن هذه الجلسات ودفاع فريق نتنياهو القانوني لم يقنع المدعي العام بالعدول عن توجيه لائحة الاتهام.
- نتنياهو يصف قرار إدانته بالفساد بـ"محاولة انقلابية"
- غموض حول مصير نتنياهو ودعوات للاستقالة بعد اتهامه بالفساد
ملفات الاتهام الثلاثة
تضمنت لائحة الاتهام 3 ملفات معروفة إعلاميا بالملف 4000 والملف 2000 والملف 1000، وتم تحديد التكييف القانوني للاتهام في كل منها على حدة، ففي الملف الأول، أي الملف الذي يحمل رقم 4000، قام نتنياهو باعتباره وزير الاتصالات ورئيس الحكومة باتخاذ إجراءات وخطوات لصالح "شاؤول الوفيتش" الذي يرأس شركة اتصالات "بيزيك"، مقابل تغطية إيجابية إعلامية لنتنياهو وعائلته في موقع "واللا" الإخباري الذي تديره هذه الشركة.الاتهامات التي وجهت لرئيس الوزراء في هذه القضية تشمل الرشوة والاحتيال وخرق الثقة في الخدمة العامة، وتشير لائحة الاتهام إلى توافر أدلة كافية لهذا الاتهام، هدايا على نطاق كبير وبطرق غير عادية تلقاها رئيس الوزراء مقابل إجراءات اتخذها لصالح الطرف المعني.
أما الملف الثاني، الذي يحمل رقم "2000"، فيتعلق بالاتفاق الذي تم بين بنيامين نتنياهو و"أرنون موزيس"، بمقتضاه يحصل الأول على تغطية إيجابية إعلامية له ولأسرته في الصحيفة التي يرأسها الثاني أي صحيفة "يديعوت أحرونوت"، مقابل قيام الأول أي نتنياهو باتخاذ إجراءات تضر بجريدة "إسرائيل هيوم" المملوكة لشيلدون أديلسون، وهي التهمة التي حملت صفة الاحتيال وخيانة الأمانة.
والملف الثالث والأخير، الذي يحمل رقم "1000"، فيتعلق وفق بيان المدعي العام الإسرائيلي بتلقي رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو هدايا من المنتج الهوليوودي أرنون ميلشان مقابل خدمات سياسية وتزكية، وتوصف هذه بالاحتيال وخيانة الأمانة وفقدان الثقة في السلطات العامة.
الدفاع وعدم الاقتناع
الفريق القانوني الذي صاحب نتنياهو في التحقيقات وجلسات الاستماع قدم دفوعا لم تقنع المدعي العام بالعدول عن توجيه الاتهامات رسميا لموكلهم، ففي القضية الأولى "4000" دافع هذا الفريق بأن نتنياهو كان واعيا بشروط التغطية الإيجابية الإعلامية، وضرورة أن تكون متوازنة وخالية من الأيديولوجية.
أما في الملف رقم "2000" فقد دافع فريقه القانوني بأن موكلهم لم يكن لديه النية لعقد اتفاق مع صحيفة "يديعوت أحرونوت"، وأن العلاقات بين السياسيين والإعلام لا ينبغي أن تجرم، وفي الملف الأخير رقم "1000" فقد دافع الفريق القانوني لنتنياهو عن تلقيه الهدايا من الأصدقاء بأن هذا الأمر لا ينطوي على مشكلة قانونية، كما أنه لم يعرف بأن أفراد أسرته قد طلبوا هذه الهدايا.
مستقبل رئيس الوزراء
الحال أن مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يرتهن بظروف قانونية وقضائية وسياسية معقدة.من الناحية السياسية يعتبر تقديم لائحة اتهام ضد بنيامين نتنياهو من قبل المدعي العام للحكومة بصفة رسمية تتضمن الرشوة وخيانة الأمانة وخرق الثقة في السلطات العامة، وتعتبر مرحلة متقدمة في طريق تقديم الشخص المعني (نتنياهو) إلى المحاكمة، ونجم عنها فشل فريقه القانوني في امتناع المدعي العام بالعدول عن إصدار هذه الاتهامات، وهو الأمر الذي يضع نتنياهو في مأزق سيأسي، كان قد بدأ قبل صدور هذه اللائحة وبيان المدعي العام في مرحلتي الاشتباه والتقارير الأمنية والتحقيقات، وهو المأزق الذي أفضى بالناخب الإسرائيلي إلى عدم منح نتنياهو أغلبية تمكنه من تشكيل الحكومة، سواء في انتخابات الكنيست الحادي والعشرين أو الثانية والعشرين.
ذلك باختصار لأن وعود نتنياهو بمزيد من التوسع في الأراضي الفلسطينية بضم المستوطنات والضفة الغربية ووادي الأردن واعتزازه باعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة دولة إسرائيل الأبدية وضم الجولان لإسرائيل، لم تمنحه الأغلبية التي كان يؤملها، وكأن لسان حال الناخب الإسرائيلي يقول ما فائدة المزيد من التوسع مع استمرار الفساد وفقدان الثقة وخيانة الأمانة، ومحاولة نتنياهو تقويض صلاحيات المحكمة العليا الإسرائيلية وسعيه مع حلفائه لانتزاع حصانة تمكنه من الإفلات من قبضة العدالة.
بالإضافة إلى ذلك فإن وضع نتنياهو بعد صدور لائحة الاتهام الرسمية ضده تضعه في موقف محرج أمام الرأي الإسرائيلي والناخبين الإسرائيليين، وتهز صورته لديهما، وتبعده عن النزاهة التي يفترض أن يحظى بها شخص رئيس الوزراء بها، وتضيف ضغوطا متزايدة على ممارسته لمنصبه وصلاحياته، فضلا عن تصاعد المطالب بتركه منصبه بعد صدور هذه اللائحة.
هي ذات الضغوط التي مورست في وقت سابق على أيهود أولمرت عندما كان رئيسا للوزراء، ووجهت له تهم أثناء شغله منصبه، واضطر في أثرها إلى تقديم استقالته وانتهى الأمر بإدانته، المناخ السياسي في إسرائيل يستعيد هذه السابقة في مثل هذه الآونة، ومع ذلك فإن نتنياهو يشخص وضعه الراهن بأنه ضحية لمؤامرة وانقلاب يدبر ضده من قبل المحققين والجهاز القانوني والقضائي، بل تساءل هو شخصيا.. هل أمارس مهام منصبي كرئيس وزراء أم أتابع وقائع اتهامي ومحاكمتي؟
النصوص القانونية المعمول بها في إسرائيل حتى الآن لا تجبر رئيس الوزراء المتهم لا في مرحلة التحقيقات ولا في مرحلة إصدار لوائح الاتهام أو الإدانة الأولية على الاستقالة من منصبه، بل تكفل له البقاء والدفاع عن نفسه وطلب الحصانة من الكنيست وفق الإجراءات المتبعة ومتابعة كافة إجراءات التقاضي أي الإدانة ثم الاستئناف إلى آخر درجات التقاضي التي يحددها القانون، أما إذا اعتبرت الإدانة "وصمة عار" -أي لحقت بها هذه الصفة- فإنه في هذه الحالة ينبغي على رئيس الوزراء ترك منصبه وفق إجراءات قانونية محددة.
المعارضة الإسرائيلية تعتبر أن الفرصة مواتية لإزاحة نتنياهو، خاصة بعد فشل جانتس في تشكيل الحكومة، وسوف تمارس ضغوطا سياسية على بنيامين نتنياهو وتعبئ الرأي العام الإسرائيلي ضده، بهدف نزع الشرعية عنه وإثبات اللاأخلاقية الناجمة عن اتهامه.