ماكرون يغازل دول البلقان.. تحرك جيوسياسي بسياق معقد (خاص)
تحرك فرنسي يحفز عملية توسيع الاتحاد الأوروبي إلى البلقان، ويعد أداة جديدة في سباق جيوسياسي بقلب القارة العجوز.
واعتبر خبراء سياسيون فرنسيون، أن التحرك الفرنسي لتسريع مسار انضمام مونتينيغرو إلى الاتحاد الأوروبي يعكس رغبة واضحة في إعادة صياغة سياسة التوسع الأوروبي بعد سنوات من الجمود.
كما يعكس بعداً استراتيجيًا داخل أوروبا لإعادة تنشيط سياسة التوسع شرقًا، في ظل التحديات الجيوسياسية المتزايدة، مؤكدين أن الدعم الفرنسي الأخير يحمل رسائل سياسية تتجاوز حدود الدولة البلقانية الصغيرة.
من جانبه، قال الباحث في الشؤون الأوروبية، برنار غيتا، لـ"العين الإخبارية"، إن دعم ماكرون لمونتينيغرو ليس مجرد دعم تقني، بل رسالة سياسية تؤكد أن الاتحاد الأوروبي يسعى لتعزيز نفوذه في البلقان في مواجهة قوى دولية أخرى".
اختبار جدية
واعتبر غيتا، أن نجاح مونتينيغرو في الانضمام سيشكل اختبارًا حقيقيًا لجدية الاتحاد الأوروبي في تنفيذ وعوده، وقد يفتح الباب أمام دول أخرى في المنطقة لتسريع خطواتها نحو الانضمام.
وأكد غيتا، أن التكتل، خصوصًا منذ الحرب في أوكرانيا، بدأ ينظر إلى التوسّع كأداة جيوسياسية ضرورية لتعزيز الاستقرار في محيطه القريب، وليس فقط كعملية بيروقراطية قائمة على معايير اقتصادية وتشريعية.
وأضاف، أن البلقان تمثل "المنطقة الرمادية" التي تسعى أوروبا إلى تثبيتها داخل فضائها السياسي لمنع تمدد نفوذ قوى أخرى مثل روسيا أو الصين.
ورأى الخبير السياسي الفرنسي، أن خطاب إيمانويل ماكرون الأخير يعكس هذا التحول، إذ لم يعد الحديث يدور فقط حول "استيفاء الشروط"، بل حول خطوات تدريجية للدول المرشحة، وهو ما يظهر في فكرة منح وضعيات انتقالية مثل صفة المراقب أو الوصول الجزئي للسوق الأوروبية.
وحذر في الوقت نفسه من أن هذا النهج يحمل مخاطره، إذ قد يؤدي إلى خلق "عضوية غير مكتملة" أو طبقات داخل الاتحاد، ما قد يضعف تماسكه على المدى الطويل، لكنه يرى أن أوروبا مضطرة حاليًا إلى الموازنة بين المثالية المؤسساتية والواقعية الجيوسياسية.
بدوره، قال نيكولاس تنزر، خبير في السياسة الأوروبية والاستراتيجية الدولية في معهد الدراسات الاستراتيجية الفرنسي "العين الإخبارية"، إن حالة مونتينيغرو تمثل اختبارًا حقيقيًا لما يسميه "مصداقية الوعد الأوروبي".
وأشار تنزر إلى أن الاتحاد الأوروبي وعد دول البلقان منذ أكثر من عقدين بإمكانية الانضمام، لكن طول الإجراءات وتعقيدها خلقا حالة من الإحباط الشعبي والسياسي داخل هذه الدول.
وأوضح أن تسريع ملف مونتينيغرو قد يكون محاولة لاستعادة الثقة، ليس فقط لدى حكومات المنطقة، بل لدى شعوبها أيضًا.
وأضاف تنزر أن التحدي الأكبر لا يكمن في مونتينيغرو نفسها، التي تُعد بالفعل الأكثر تقدمًا، بل في قدرة الاتحاد الأوروبي على تجاوز انقساماته الداخلية بشأن التوسّع، حيث لا تزال بعض الدول الأعضاء مترددة في قبول أعضاء جدد بسبب مخاوف اقتصادية وسياسية.
كما لفت إلى أن الإصلاحات المطلوبة من دول البلقان، خاصة في مجالات القضاء ومكافحة الفساد، تظل عقبة أساسية، مؤكدًا أن "الانضمام السريع دون إصلاح حقيقي قد ينقل مشاكل داخلية إلى قلب الاتحاد".
وأشار إلى أن نجاح مونتينيغرو لن يكون مجرد إنجاز وطني، بل سيشكل "إشارة اختبار" لبقية دول البلقان، ورسالة حاسمة حول ما إذا كان الاتحاد الأوروبي لا يزال مشروعًا توسعيًا حيًا، أم أنه دخل مرحلة الانكماش السياسي.
ماكرون وديناميكية جديدة
وشجع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مونتينيغرو على المضي قدمًا في استكمال الإصلاحات اللازمة لإنهاء مسار انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، مؤكدًا دعم باريس الكامل خلال المرحلة المقبلة.
وخلال زيارته إلى مدينة سيتينيه، إلى جانب نظيره ياكوف ميلاتوفيتش، قال ماكرون: "ثقوا بأنفسكم، سنكون إلى جانبكم في الأشهر المقبلة حتى تحققوا الأهداف التي وضعتموها".
وتعد مونتينيغرو الدولة الأكثر تقدمًا بين دول البلقان في مسار الانضمام، إذ تأمل في إنهاء المفاوضات خلال العام الجاري، على أن تصبح العضو الثامن والعشرين في الاتحاد بحلول عام 2028، بعد أن كانت كرواتيا آخر دولة تنضم عام 2013.
وأضاف ماكرون: "ما أنجزتموه خلال العامين الماضيين كان لافتًا، بل يفوق ما كان يتوقعه كثيرون"، مشيرًا إلى صعوبة المسار الإصلاحي وما يتطلبه من التزام سياسي طويل الأمد.
وفي السياق نفسه، قدمت باريس وبرلين وثيقة مشتركة تدعو إلى "إضفاء ديناميكية جديدة" على عملية التوسّع شرقًا، مع الحفاظ على مبدأ "الاستحقاق"، الذي يربط الانضمام بتنفيذ الإصلاحات السياسية والاقتصادية، بحسب صحيفة "لوفيجارو" الفرنسية.
وتتضمن المقترحات منح الدول المرشحة امتيازات تدريجية، مثل الوصول المفضل إلى السوق الأوروبية، والحصول على صفة مراقب في اجتماعات الاتحاد، إلى حين استكمال العضوية الكاملة.
في المقابل، لا تزال عدة دول في المنطقة تواجه عراقيل، من بينها صعوبات الإصلاح في البوسنة والهرسك، وخلافات سياسية في كوسوفو، وتشريعات مثيرة للجدل في صربيا، ما أدى إلى تباطؤ مسار انضمامها.