«التنانين الستة» تشعل عقارات الصين.. الذكاء الاصطناعي يصنع أثرياء جددا
تشهد مدينة هانغتشو الصينية موجة غير مسبوقة من الانتعاش في سوق العقارات الفاخرة، ويأتي هذا مدفوعا بالثروة الجديدة التي خلقتها شركات التكنولوجيا الناشئة التي باتت تُعرف باسم "التنانين الستة الصغيرة".
ومع الصعود السريع لشركات مثل DeepSeek المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وUnitree Robotics الرائدة في تطوير الروبوتات، ظهرت شريحة جديدة من الشباب الأثرياء الذين يعيدون رسم خريطة الطلب على العقارات في واحدة من أهم المراكز التكنولوجية في الصين.
وادي السيليكون الصيني
وباتت هانغتشو، التي توصف اليوم بأنها "وادي السيليكون الصيني"، تستقطب استثمارات متزايدة في القطاع العقاري الراقي، بعدما نجحت شركات التكنولوجيا المحلية في تحقيق تقييمات مرتفعة وجذب تمويلات ضخمة، وهو ما انعكس مباشرة على دخول الموظفين والمؤسسين والمستثمرين الأوائل.
ونتيجة لذلك، أصبح هؤلاء يبحثون عن مساكن فاخرة بالقرب من مقار أعمالهم، مما أدى إلى ارتفاع الطلب على الوحدات السكنية المتميزة في المناطق المركزية.
ويشير خبراء القطاع العقاري إلى أن المشترين الجدد يختلفون بشكل واضح عن رجال الأعمال التقليديين الذين كانوا يهيمنون على سوق العقارات الفاخرة في السابق. فالغالبية تنتمي إلى جيل التسعينيات، ويعملون في شركات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وأشباه الموصلات والتقنيات المتقدمة.
كما أنهم يتخذون قرارات الشراء بسرعة كبيرة، ويمنحون الأولوية للعقارات التي تقلل زمن التنقل اليومي بين المنزل ومكان العمل، حتى لو تطلب ذلك دفع أسعار أعلى بكثير من متوسط السوق.
مواقع نادرة ومتميزة
وأدى هذا التحول إلى زيادة الإقبال على المشروعات السكنية ذات المواقع النادرة والإطلالات المميزة، حيث سجلت العديد من هذه المشروعات مبيعات قوية خلال فترات زمنية قصيرة، في حين تمكن المطورون من الحفاظ على مستويات أسعار مرتفعة بفضل محدودية المعروض في المناطق الأكثر طلباً.
في المقابل، كشف هذا الازدهار عن انقسام واضح داخل السوق العقاري في هانغتشو. ففي الوقت الذي تواصل فيه العقارات الفاخرة تحقيق مستويات مرتفعة من الطلب والأسعار، تواجه الوحدات السكنية المتوسطة والقديمة الواقعة في الضواحي تحديات كبيرة، مع انخفاض ملحوظ في حجم المبيعات واضطرار العديد من المطورين إلى تقديم خصومات واسعة لتحفيز المشترين.
وتشير البيانات إلى أن مبيعات العقارات المستعملة في المناطق الأقل جذباً تراجعت بصورة حادة، في حين أصبح المشترون أكثر انتقائية، مفضلين العقارات ذات الجودة العالية والمواقع المركزية حتى وإن كانت تكلفتها أعلى بكثير.
ويرى محللون أن هذا الانقسام يعكس تغيراً هيكلياً في الاقتصاد الصيني، حيث أصبحت التكنولوجيا تمثل المحرك الرئيسي لتكوين الثروات الجديدة، بعد سنوات كانت خلالها قطاعات العقارات والتصنيع التقليدي المصدر الأكبر للثروة.
ويؤكد هؤلاء أن الطفرة الحالية ليست مجرد انتعاش عقاري، بل نتيجة مباشرة لازدهار شركات التكنولوجيا المتقدمة التي خلقت آلاف الوظائف ذات الرواتب المرتفعة، إلى جانب مكاسب كبيرة للمؤسسين والمستثمرين.
كما ساعدت النجاحات التي حققتها شركات "التنانين الستة الصغيرة" في تعزيز ثقة المستثمرين بمدينة هانغتشو، وجذب المزيد من الشركات الناشئة ورؤوس الأموال إليها، وهو ما يخلق دورة اقتصادية جديدة تدعم الطلب على العقارات التجارية والسكنية في الوقت نفسه.
مدن أخرى
ولا يقتصر هذا الاتجاه على هانغتشو فقط، إذ بدأت مدن صينية أخرى مثل شنتشن تشهد ظاهرة مشابهة، حيث يقود العاملون في مجالات الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات موجة جديدة من الطلب على المساكن الفاخرة، في إشارة إلى أن الثروة المرتبطة بالتكنولوجيا أصبحت عاملاً رئيسياً في إعادة تشكيل سوق العقارات الصينية.
ويرى خبراء أن استمرار هذا الزخم سيعتمد على قدرة شركات التكنولوجيا الصينية على الحفاظ على معدلات النمو الحالية، ومواصلة جذب الاستثمارات المحلية والدولية، فضلاً عن استمرار الدعم الحكومي لقطاع الابتكار والتقنيات المتقدمة.
وفي حال استمرار هذه العوامل، فمن المرجح أن تظل العقارات الفاخرة في المدن التكنولوجية الكبرى تحقق أداءً يفوق أداء بقية السوق، فيما قد تستمر الضغوط على المشروعات المتوسطة والقديمة في المناطق الطرفية، وهو ما يعمق حالة الاستقطاب داخل القطاع العقاري الصيني.