حروب المستقبل.. التقنيات الحديثة تعيد رسم موازين القوة
في حروب المستقبل، لم يعد التفوق الجوي والقدرات العسكرية التقليدية العامل الوحيد الحاسم في إدارة الصراعات أو ضبط موازين القوى.
هكذا اعتبر تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز» الأمريكية، مشيرا إلى أن هناك تحولات متسارعة في طبيعة الحروب الحديثة، أظهرت أن التحديات التي تفرضها التقنيات الجديدة على الجيوش الكبرى باتت أحد أهم العوامل الحاسمة في إدارة الصراعات.
وبحسب التحليل، فإن أهمية الحرب لا تكمن فقط في نتائجها العسكرية المباشرة، بل في كونها أظهرت كيف باتت المسيّرات والأنظمة غير المأهولة جزءاً أساسياً من بيئة القتال الحديثة.
نهاية الاحتكار التكنولوجي
وعلى مدى عقود، استند التفوق العسكري الأمريكي إلى امتلاك تقنيات متقدمة مثل الطائرات الشبحية، والأسلحة الدقيقة، والأقمار الصناعية، وأنظمة الاتصالات والاستطلاع.
لكن التحليل يرى أن البيئة التكنولوجية الحالية تختلف بصورة جوهرية عن المراحل السابقة، إذ لم تعد التقنيات التي تعيد تشكيل الحروب حكراً على القوى الكبرى.
فالمسيّرات وتقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت متاحة على نطاق أوسع، ما أتاح لدول مختلفة امتلاك قدرات كانت في السابق مرتبطة فقط بالجيوش الكبرى.
ويشير التحليل إلى أن انتشار هذه التقنيات أدى إلى تقليص بعض الفجوات التكنولوجية التقليدية، وفرض تحديات جديدة على نماذج القوة العسكرية التي اعتمدت عليها الولايات المتحدة لعقود.
إعادة تشكيل اقتصاديات الحرب
ويؤكد التحليل أن التأثير الأبرز للمسيّرات لا يقتصر على الجانب العملياتي، بل يمتد إلى تغيير اقتصاديات الحرب نفسها.
ففي العديد من الصراعات الحديثة، أثبتت الأنظمة غير المأهولة قدرتها على تنفيذ مهام الاستطلاع والهجوم بكلفة أقل كثيراً من المنصات العسكرية التقليدية.
واستشهدت «فورين أفيرز» بالحرب في أوكرانيا، حيث استخدمت المسيّرات والزوارق غير المأهولة بصورة مكثفة ضد أهداف عسكرية مرتفعة الكلفة، ما أظهر قدرة الوسائل منخفضة الثمن على التأثير في منظومات عسكرية أكثر تعقيداً.
ويرى أن هذا التحول يفرض على الجيوش إعادة تقييم العلاقة بين تكلفة السلاح والعائد العملياتي الذي يحققه في ميدان المعركة.
نحو عصر الأسراب الذكية
وركز التحليل بشكل كبير على مستقبل المسيّرات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن التطورات الحالية تشير إلى انتقال هذه الأنظمة تدريجياً من مرحلة التشغيل المباشر إلى مستويات أعلى من الاستقلالية.
وأشار إلى أن بعض المسيّرات باتت قادرة على مواصلة تنفيذ مهامها حتى عند فقدان الاتصال أو التعرض للتشويش على أنظمة الملاحة.
كما توقع أن تشهد السنوات المقبلة انتشار أسراب كبيرة من المسيّرات القادرة على التنسيق فيما بينها بصورة شبه مستقلة، والتكيف مع المتغيرات الميدانية أثناء العمليات.
ويرى أن هذا التطور قد يفرض تغييراً واسعاً في مفاهيم القيادة والسيطرة العسكرية المعمول بها حالياً.
تحدي الدفاعات المكلفة
ومن بين أبرز القضايا التي تواجه الجيوش، مشكلة الكلفة المرتفعة لأنظمة الدفاع الجوي والصاروخي، في مقابل الصواريخ والمسيّرات منخفضة التكلفة.
لكن التحليل يشير إلى أن تكلفة الاعتراض غالباً ما تكون أعلى بكثير من تكلفة الوسائل المهاجمة، ما يثير تساؤلات حول استدامة هذا النموذج في النزاعات طويلة الأمد.
ولفت إلى أن الاستهلاك السريع للمخزونات الدفاعية خلال الحروب يمثل تحدياً إضافياً أمام الجيوش التي تعتمد على أنظمة اعتراض مرتفعة الثمن.
الذكاء الاصطناعي في ساحة المعركة
ويؤكد التحليل أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً متزايد الأهمية من العمليات العسكرية الحديثة.
فقد استخدمت الولايات المتحدة هذه التقنيات في تحليل البيانات العسكرية، وتحديد الأولويات، ودعم عمليات التخطيط واتخاذ القرار خلال الحرب مع إيران.
إلا أن التحليل يرى أن هذه القدرات لم تعد حكراً على الولايات المتحدة، في ظل التطور السريع الذي تشهده دول أخرى، وعلى رأسها الصين.
وأشار إلى أن المنافسة لم تعد تقتصر على امتلاك التكنولوجيا، بل تشمل سرعة تطويرها ودمجها في العمليات العسكرية والاستفادة منها ميدانياً.
سباق عالمي على القدرة الحاسوبية
واعتبرت فورين أفيرز أن القدرة الحاسوبية أصبحت أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية في العصر الحديث.
فالتفوق في الذكاء الاصطناعي يعتمد بصورة مباشرة على امتلاك البنية التحتية الحاسوبية المتقدمة والرقائق الإلكترونية عالية الأداء.
ومن هذا المنطلق، أشار تحليل الصحيفة، إلى أن المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى ستتركز بصورة متزايدة حول القدرة على تطوير وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً.
عقبات داخلية أمام التكيف
ولا يحمّل التحليل المسؤولية للتحديات الخارجية فقط، بل يرى أن جزءاً من التحدي يكمن داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية نفسها.
فالتاريخ العسكري، بحسب الكاتب، يظهر أن المؤسسات الكبرى كثيراً ما تواجه صعوبات في التكيف السريع مع التحولات التكنولوجية الجديدة.
وأشار إلى أن استيعاب القدرات التي توفرها المسيّرات والذكاء الاصطناعي يتطلب تعديلات في العقيدة العسكرية، وأساليب التدريب، والهياكل التنظيمية، وآليات اتخاذ القرار.
شراكة مع قطاع التكنولوجيا
وشدد التحليل على أهمية التعاون بين وزارة الدفاع الأمريكية وشركات التكنولوجيا، فالكثير من الابتكارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمسيّرات يجري تطويرها داخل القطاع الخاص بوتيرة أسرع من المؤسسات العسكرية التقليدية.
ويرى أن الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي يتطلب الاستفادة من هذه الابتكارات وتسريع دمجها في المنظومة الدفاعية.
الحفاظ على التفوق
وخلص إلى أن الولايات المتحدة لا تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واسعاً وقاعدة تكنولوجية متقدمة، إلا أن الانتشار السريع للمسيّرات والذكاء الاصطناعي يفرض عليها تسريع وتيرة التكيف مع التحولات الجارية.
واعتبر أن التحدي الرئيسي لا يتعلق بامتلاك التكنولوجيا فحسب، بل بقدرة المؤسسات العسكرية على استيعابها وتوظيفها بسرعة وفاعلية، بما يضمن الحفاظ على الميزات التي شكلت أساس القوة الأمريكية لعقود طويلة.