اقتصاد

أسواق النفط وضرورة التركيز على أساسياتها

بقلم: سهيل المزروعي وزير الطاقة والصناعة الإماراتي

الثلاثاء 2019.1.8 03:21 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 89قراءة
  • 0 تعليق
 سهيل المزروعي وزير الطاقة والصناعة الإماراتي

سهيل المزروعي وزير الطاقة والصناعة الإماراتي

كان لي شرف القيام بدور رئيس مؤتمر أوبك للعام 2018 ممثلاً عن دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث يتم تدوير هذا المنصب الهام سنوياً بين الدول ذات العضوية الدائمة في منظمة أوبك.

وقد تزامنت فترة رئاستي لمؤتمر أوبك 2018 مع "عام زايد"، وهو العام الذي نحتفل فيه بذكرى الأب المؤسس لدولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان -طيب الله ثراه -، وقد عرف الشيخ زايد بإيمانه القوي بقيمة الدبلوماسية والحوار والتعاون والنظرة الاستشرافية، وهي ذات السمات التي ألهمتنا في دعم أهداف أوبك وشركائها بشكل جيد خلال هذا العام.. حيث عملنا جميعا من أجل تحقيق المزيد من الاستقرار لأسواق النفط في أعقاب فترةٍ من الغموض والاضطراب. 

ورجوعا بالذاكرة إلى ديسمبر 2016 عندما وقَّعت منظمة أوبك وشركاؤها "إعلان التعاون" وهو اتفاق طوعي يهدف إلى تعديل مستويات الإنتاج، الذي ساعد على تقليل تخمة المخزون، نجد أن هدفنا كان تحقيق استقرارٍ مستدامٍ لأسواق النفط لصالح المنتجين والمستهلكين على حد سواء. 

وبانتقال سريع عبر الشريط الزمني إلى منتصف عام 2018، نجد أن وطأة تراكم المخزون قد تم تخفيفها وأن منظمة أوبك وشركاءها قد التزموا بأكثر من الأهداف التي كانوا قد تعهدوا بها من قبل، وعاد الشعور بالتفاؤل إلى صناعتنا من جديد، وقد بدا ذلك واضحاً خلال المؤتمر الدولي السابع لمنظمة أوبك المنعقد في شهر يونيو بقصر هوفبورغ في فيينا.  

وقد شارك في هذا المؤتمر ما يقارب 1000 مشارك من أكثر من 50 دولة، حيث تم استعراض العديد من العروض التقديمية والحلقات النقاشية القيِّمة التي سلطت الضوء على عدد من الموضوعات الهامة شملت النجاحات والإنجازات التكنولوجية، والاقتصاد العالمي، ومعايير توازن سوق النفط العالمية، وتعتبر هذه الحلقات النقاشية بمثابة منابر ومنصّات تفاعلية ومعرفية يقوم خلالها صُنّاع القرار، والخبراء والمختصون بمناقشة التوجهات والفرص والتحديات وتبادل المعرفة والاستفادة من الخبرات. 

إن المشاركة والحوار يعتبران من الأولويات الرئيسية لمنظمة أوبك، وبصفتي رئيساً للمؤتمر فلقد تشرفتُ بحضور عدد من الفعاليات والاجتماعات مع مختلف القطاعات ذات العلاقة بعمل المنظمة وشركائها طوال العام وذلك بدءاً من الأسبوع الدولي للبترول في لندن، والاجتماع الوزاري لمنتدى الطاقة العالمي بنيودلهي في الهند، وأسبوع "سيرا" الذي أقيم في مدينة هيوستن، وملتقى "ستامبيد" للاستثمار في كندا، وانتهاءً بـمعرض ومؤتمر أبوظبي الدولي للبترول "أديبيك" في أبوظبي.  

لقد لمست بنفسي النوايا الإيجابية والجهود الكبيرة والالتزام الدؤوب للعديد من الدول والمنظمات والأفراد من أجل الوصول إلى سوق نفطية أكثر استقراراً وتوازناً، ومن الواضح أن النفط والغاز مازالا يلعبان دوراً حيوياً هاماً للدفع بعجلة النمو الاقتصادي وتعزيز التنمية المستدامة، وأنهما سيظلان يلعبان ذلك الدور لسنوات عديدة قادمة. 

ومع ذلك وكما ظهر خلال الأشهر الأخيرة وعلى الرغم من كل تلك الجهود الجبارة والعمل الدؤوب؛ فإن صناعتنا تظل صناعة عالمية وهي صناعة حركية ديناميكية وتتغير باستمرار، وبالتالي من غير المنطقي أن نتهاون أو نهمل ما تم تحقيقه من نجاح.  

لذلك يجب علينا جميعا متابعة وتحليل متطلبات الأسواق العالمية بشكل مستمر ودقيق، فبدون العمل الجماعي لتقييم أوضاع السوق ووضع الحلول لمعالجتها إذا لزم الأمر، فإنه لن يكون بوسعنا تحقيق هدفنا بعيد المدى. 

ولا شك أن من أبرز إنجازاتنا لعام 2018 هو ذلك التقدم الذي حققناه في الانتهاء من إعداد مسودة الميثاق بين الدول الأعضاء في منظمة أوبك وشركائها من خارج المنظمة من أجل الاستمرار في التعاون خلال السنوات القادمة.  

وهذا الميثاق الذي تم التوقيع عليه في شهر ديسمبر خلال المؤتمر الـ175 لأوبك، يعدُّ أمراً لم يكن بالإمكان تخيله عندما بدأت جهودنا في عام 2016، ولكن بعد عامين من العمل سوياًّ وبناء العلاقات والتفاهم، أصبحنا قادرين على المضي قدماً نحو ذلك الاتفاق الذي يمثل علامةً بارزة ونقطة تحول فارقة. 

لقد ظلَّت دولة الإمارات العربية المتحدة على مدى أكثر من خمسين عاماً تعتز بعضويتها في منظمة أوبك، وإنني لعلى ثقة بأنه من خلال العمل مع الشركاء الذين يشاطروننا فكرنا، سواءً داخل منظمة أوبك أو خارجها، سيكون بوسعنا الاستمرار في السعي نحو هدفنا بتحقيق سوق نفطية أكثر استقراراً وأقل تذبذباً.. وهذه خطوة أخرى هامة في علاقة أؤمن بأنها سوف تستمر في التطور، كما أتمنى أن تزدهر خلال السنوات القادمة. 

ومن الأسئلة التي طرحت عليَّ كثيراً في عام 2018 هو السؤال عن السعر العادل للنفط الذي ترغب فيه منظمة أوبك أو دولة الإمارات العربية المتحدة، و ما هو السعر الصحيح؟ وما هو السعر الجيد؟ وكما أصبح واضحاً لأصدقائي الإعلاميين الآن، فإن جوابي سيظل دائماً نفس الجواب وهو أن منظمة أوبك وأعضاءها لا يتحكّمون في سعر النفط، بل إن الأسواق النفطية هي التي تحدد سعر النفط، وإن ما تسعى المنظمة لتحقيقه هو أسواق نفطية متوازنة ومنصفة للمستهلكين والمنتجين على حدٍّ سواء، كما تُشجِّع على استثمار العديد من التريليونات من الدولارات اللازمة من أجل تأمين الإنتاج في المستقبل، ولقد طرحتُ هذا الموضوع بصورةٍ مستمرةٍ في تصريحاتي طوال العام.  

إن جميع التوقعات الرئيسية تشير إلى أن النفط سوف يظل مكوناً أساسياً في مزيج الطاقة العالمي على مدى المستقبل، وإذا أردنا تجنب حدوث أي اضطرابات في الأسواق العالمية في المستقبل (الأمر الذي يضر بالمستهلكين والمنتجين معاً)، فإنه يتعين علينا أن نستثمر الآن لكي يكون بمقدورنا تلبية أية احتياجات مستقبلية في الطلب، ووفقاً لإصدار "وورلد أويل آوتلوك" (استشراف مستقبل النفط العالمي) لعام 2018 والصادرة عن منظمة أوبك، فإن الاستثمارات المطلوبة المتعلقة بالنفط تقدر بنحو 11 تريليون دولار في الفترة الممتدة حتى عام 2040.  

ولكن لا ينبغي لنا أن ننسى أن الصناعة النفطية مرت بمرحلة انخفاض في النفقات الاستثمارية التي تزيد عن تريليون دولار بسبب التراجع الكبير في أسعار النفط، مما أدى إلى تراجع في الاستثمارات النفطية، وكما تعلَّمنا من خلال مراحل السوق السابقة، فإن الانخفاضات الحادة في الاستثمارات تمثل تهديداً خطيراً للإمدادات النفطية في المستقبل، ولذلك فإن من المهم أن نستمر في الاستثمار وبخاصة في المشاريع الأكبر حجماً ذات قيمة طويلة المدى، من أجل المحافظة على إمدادات كافيه بالإضافة إلى سعة إنتاجية احتياطية يمكن استخدامها بشكل سريع لتحقيق التوازن في الطلب والعرض.  

وعموماً، ومع انتهاء عامٍ حافل بالنشاط ولكنه شاحذ للبصيرة الثاقبة، أود أن أتقدم بالشكر لسعادة "محمد السنوسي باركيندو"، الأمين العام لمنظمة أوبك، وفريقه على ما قاموا به من عمل دؤوب ودعم، كما أنوّه بالجهود الكبيرة التي بذلها زملائي في مؤتمر أوبك الوزاري وبخاصة معالي الأخ خالد الفالح وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية بالمملكة العربية السعودية، ومعالي "ألكسندر نوفاك" وزير الطاقة الروسي كما أتمنى لنظيري سعادة "مانويل سالفادور كيفيدو فيرنانديز" وزير البترول بجمهورية فنزويلا البوليفارية كل النجاح والتوفيق في دوره كرئيس لمؤتمر أوبك في دورته لعام 2019. 

وإذ نتطلّعُ إلى المستقبل، فإنني أردد كلمات سعادة الأمين العام باركيندو الذي أكد على أن هناك كلمة واحدة سوف تلعب دورا حيوياً في النجاح المستقبلي: وهي التعاون.. ثم التعاون.. والتعاون. 


تعليقات