سياسة

عن أهمية تحديد الأعداء

الأحد 2017.5.7 09:33 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 7530قراءة
  • 0 تعليق

من السمات التي أصبحت ملازمة للمنطقة العربية في السنوات الأخيرة، تسارع الأحداث وتواليها إلى الحد الذي يجعل ملاحقتها أمراً مجهداً للمتابع والمراقب على حد سواء، وهذه هي سمات مراحل "التخلُّق"، أو "التحول" التي تنتج أوضاعاً جديدة يختلف ما قبلها عما بعدها، ونحن نعيش الآن هذه المرحلة بامتياز. وقد توقفت أمام أربعة أحداث شهدها الأسبوع الماضي، وشكّلت صفعة كبيرة للإخوان المسلمين ومن يدعمهم ويغذي مخططاتهم التآمرية في نشر الفوضى بالمنطقة واختلاق الإفك والكذب عبر منابرهم ومن ثّم التعيش على مآسى وجراح شعوب المنطقة. هذه الأحداث تربط بينها علاقات أراها مهمة، رغم اختلافها الظاهر من حيث طبيعتها والمكان الذي وقعت فيه والسياقات التي تحكم كل واحد منها. وهذه الأحداث هي "إعلان عدن التاريخي"، ولقاء المصالحة الليبية التاريخي الذي احتضنته العاصمة الإماراتية أبوظبي، واللقاء التلفزيوني الأخير لولي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، وأخيراً "وثيقة المبادئ والسياسات العامة" التي أعلنتها حركة حماس.

"إعلان عدن التاريخي" في حقيقته احتجاج على الدور المثير للشكوك للإخوان المسلمين وهو الدور الذي كان يواجه القرارات في غير اتجاهها الصحيح ويربك المشهد في ظل أوضاع عسكرية بالغة الدقة والحرج ولا تحتمل العشوائية أو الخطأ

الحدث الأول هو "إعلان عدن التاريخي" الذي أظهرت فيه محافظات جنوب اليمن اعتراضها الصريح على محاولات الإخوان المسلمين العمل لمصلحتهم الخاصة في اليمن. واختار اليمنيون شخصيات وطنية تضع مصلحة اليمن فوق كل اعتبار، للتحدث باسم ملايين ضاقوا بمؤامرات الإخوان المسلمين ومناوراتهم، وبتحركهم من منطلق "العصابة" التي لا تقيم للمصالح الوطنية وزناً أو اعتباراً. وفي الوقت الذي تُبذل فيه الدماء الغالية لتحرير اليمن من مليشيا الحوثي وصالح، ويرتقي فيه الشهداء من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومن أبناء اليمن ضاربين أروع أمثلة البطولة، تؤدي الجماعة وأتباعها ومن يدعمها دوراً مشبوهاً، وتنشر الشائعات وتحاول الإيقاع بين رفاق السلاح الذين يؤدون مهمتهم النبيلة بكل الكفاءة والتصميم.

"إعلان عدن التاريخي" في حقيقته احتجاج على الدور المثير للشكوك للإخوان المسلمين، وهو الدور الذي كان يوجه القرارات في غير اتجاهها الصحيح، ويربك المشهد في ظل أوضاع عسكرية بالغة الدقة والحرج، ولا تحتمل العشوائية أو الخطأ. ولذا فقد اختار الشعب اليمني للتحدث باسمه رموزاً من القادة الذين وقفوا بصلابة أمام محاولات التشويش والتشويه الإخوانية، وأحبطوا كثيراً من الخطط والتدابير التي حاكتها الجماعة من أجل تمرير مشروعاتها. وهذه المشروعات خطرة ومؤذية بطبيعتها، لكنها أشد أذى وفتكا في وقت الحرب بكل ما تحتاج إليه من صدق النية وإنكار الذات وإعلاء مصلحة الجماعة على المصالح الجزئية والمكاسب الضيقة.

الحدث الثاني المهم الذي أتوقف لديه، هو المصالحة التاريخية التي احتضنتها أبوظبي، ورعاها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بين السيد فايز السراج رئيس حكومة الوفاق الليبية والمشير خليفة حفتر، وكانت ثمرة لجهد دبلوماسي طويل بذلته دولة الإمارات بحنكة ودأب من أجل لملمة الخلافات وإيقاف النزيف البشري والمادي الذي تتعرض له دولة عربية تمتلك كل إمكانات النهوض والتطور، ويمكن لثرواتها ومواردها الضخمة أن تضمن لأبنائها تحقيق أعلى مستويات الحياة لو أنها استطاعت عبور خلافاتها وانقساماتها، ولا سيما أنها تخلو من وجود عوامل الصراع التي توجد في دول أخرى، مثل التركيبة العرقية أو الطائفية المعقدة، أو تاريخ الخلافات والصراعات والمرارات الذي يلقي بظلاله في أحيان كثيرة.

بديهي أن كل حقن للدماء وجمع للكلمة وتوحيد للصف في أي دولة عربية ينبغي أن يقابل بالترحيب والدعم والمساندة، وأن يكون إنهاء الصراع والخلاف محل اتفاق داخل الدولة المعنية وخارجها، ولكن الأمر ليس كذلك بالنسبة إلى "الإخوان المسلمين" في ليبيا الذين كانوا حريصين على إدامة حال الاقتتال والمواجهة إلى الوقت الذي يرونه مناسباً للقفز على السلطة، مهما كان الثمن من دماء الليبيين وحقهم في الحياة الكريمة.

لقد لقيت المصالحة ترحيباً كبيراً من الشعب الليبي ومن الدول العربية والمجتمع الدولي الذي ثمن الجهود الإماراتية غالياً، لكن مفتي ليبيا السابق، المنتمي إلى الإخوان المسلمين، هاله أن يتصالح الليبيون وأن تُحقن دماؤهم وتصان لهم ثرواتهم ويُفتح لهم طريقاً نحو ما يستحقون من استقرار وأمن، فوصف المصالحة بأنها "مؤامرة". ولا أعتقد أن الموقف يحتاج إلى تعليق.

الحدث الثالث هو لقاء الأمير محمد بن سلمان الذي يكشف عن وضوح تام للرؤية لدى القيادة السعودية، ومثل هذه الرؤية الدقيقة والواضحة هي الأساس الذي يضمن أن تكون السياسات الصادرة عنها صحيحة أيضاً. ويبدو ذلك في التحديد الواضح والسديد لقائمة الأعداء والساعين إلى التخريب. وكان الأمير محمد بن سلمان واضحاً حين تحدث عن أن من يهاجم السعودية في مصر هو الإعلام "الإخونجي"، وليس الإعلام المصري، وحينما حاول محاوره الزميل داود الشريان أن يناقش هذا الأمر جاء رد الأمير أكثر حسماً وحزماً بأن "الإخونجية" هم من يحاولون تخريب العلاقات بين بلدين شقيقين يعرف كل منهما مكانة الآخر وتربطهما أوثق العلاقات وأصدقها. وكنت قد أشرت إلى هذا الموضوع في مقال الأسبوع الماضي.

هذا الحسم يعكس إدراكاً واضحا للدور "الإخونجي"، وسأسمح لنفسي أن أعتبر استخدام الأمير لمصطلح "الإخونجي" مختلفاً عن استخدام مصطلح "الإخواني" أو "إعلام الإخوان"، وليس التحقير أقل دلالات هذا الاستخدام، أو تأكيد أن الانتماء للإخوان إلى "أداة ارتزاق" وليس انتساباً إلى تيار فكري أو عقيدة سياسية. وهذا الاختيار مقصود بعناية، ليبعث برسالة واضحة لكل من يهمه الأمر بأن المملكة في أعلى مستويات القيادة تدرك طبيعة الدور التآمري للإخوان. كما كانت هذه الإشارة الدالة إعادة تأكيد على أن المملكة التي صنفت الإخوان المسلمين جماعة إرهابية اتخذت قرارها هذا عن يقين مطلق بأن الجماعة من بين أخطر الأعداء وأخبثهم‪.‬

بالدرجة نفسها، كان الأمير واضحاً تماماً وحاسماً في موقفه من عدوانية إيران ومؤامراتها التي لم تتوقف لحظة ضد استقرار العالم العربي، ونحن بحاجة إلى مثل هذا الوضوح وهذا الحسم. ولقد كان جلياً إدراك طبيعة التحركات الإيراني ضد العالم العربي، فهي تنبع أولاً من أساس عقائدي موثق في دستور إيران وفي خطابها الرسمي، وهذا أمر معلن يتباهى به المسؤولون الإيران ويكررونه دون تردد، وبناءً عليه تأتي السياسات والسلوكيات الإيرانية متسقة تماماً مع الأساس العقائدي والنظري، وهي تعلن عن نفسها بفجاجة أيضاً ودون مواربة‪.‬

أما الحدث الرابع، فهو يتعلق بما تقول حماس إنها وثيقتها السياسية الجديدة. ويبدو أن الجماعة تدرك أن ارتباطها بالإخوان المسلمين أصبح عبئاً عليها، لذا كان جوهر الوثيقة ولبُّها هو الإعلان عن "التخارج" من الجماعة وفك الارتباط بها، أما التغييرات الأخرى فهي مجرد استجابات للأمر الواقع لا يُعوَّل عليها كثيراً. ولكن السؤال المشروع هنا هو: هل يمكن أن نثق في أن "حماس" قررت بالفعل إنهاء تبعيتها للإخوان، أم إن هذه مجرد مناورة لتحقيق مكاسب معينة؟

في الحقيقة لدينا أسباب وجيهة للشك، فليست المرة الأولى التي يُعلن فيها فرع من أفرع الجماعة استقلاله عنها وتحرره من الارتباط بها، ولكن الأيام والمواقف أثبتت أن هذا لم يكن أكثر من توزيع للأدوار لمواجهة ظروف ضاغطة. و"البصمة الإخوانية" واضحة لدى حماس في كل ممارساتها، وأهمها أن "السلطة" هي الغاية القصوى، فمنذ أن سيطرت على غزة دون أن تتردد في إراقة الدم الفلسطيني في سبيل ذلك فإنها أقامت كل سياساتها على أساس الاحتفاظ بغزة تحت سيطرتها مهما كلف ذلك. وأصبحت القضية الفلسطينية برمتها في موقع أقل أهمية لدى "حماس"، وما إفشال محاولات "المصالحة" إلا أحد مظاهر التمسك بهذه السلطة والخوف من فقدانها.

أخيراً، أعتقد أن تأمل الأحداث السابقة يقود إلى تحديد الطرف الذي يؤدي الدور الأكثر تدميراً في أزمات المنطقة ومشكلاتها، وليس صعباً كذلك أن ندرك أن هذا الطرف يحظى برعاية ودعم غير محدود من دول عربية تشارك، عن عمد، في تعقيد مشكلات المنطقة وتعميق أزماتها.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات