سياسة

رسائل ودلالات الغارات التركية في شمالي سوريا والعراق ؟

الأحد 2017.5.7 12:28 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 741قراءة
  • 0 تعليق

شن سلاح الجو التركي، يوم 25 أبريل الماضي، غارات ضد مواقع حزب العمال الكردستاني، في جبل سنجار شمالي العراق ، والقاعدة الرئيسية لحزب "الاتحاد الديمقراطي" الكردي المرتبط به في منطقة "قره شوك" الواقعة في الحسكة السورية. 

وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، قال بعد الهجمات إن بلاده "تتصرف بشكل شفاف حيال جميع القضايا. ليست لدينا أجندة سرية... نحن نحترم وحدة الأراضي السورية والعراقية لكن الحرب على التنظيمات الإرهابية مسألة حساسة ومعروفة لدى الجميع".

 لكن الغارات التركية أبعد من أن تكون عملية كلاسيكية روتينية خصوصاً إذا ما أخذنا مسائل توقيتها وطريقة تنفيذها والأهداف المعلنة وغير المعلنة لها بعين الاعتبار . لذلك هي شكّلت مفاجأة لأطراف عديدة محلية وإقليمية وعالمية .

الهجمات التركية التي جاءت في وقت متزامن، أسفرت عن تدمير مواقع استراتيجية للتنظيمين الكرديين، وأدت إلى سقوط مئة قتيل وعشرات الإصابات، لكنها تحمل في طياتها رسائل ومدلولات سياسية وأمنية كعملية أولى من نوعها لها علاقة مباشرة بسياسة تركيا في المنطقة وتغيير المعادلات والموازين على الأرض باتجاه بناء منظومة تحولات جديدة في طريقة تعاطي أنقرة مع ما يجري على حدودها الجنوبية والجنوبية الشرقية مع سوريا والعراق .

في المعلن حتى الآن، يأتي كلام الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الذي قال إن "تركيا لن تسمح بإنشاء ممر كردي على حدودها السورية والعراقية في جنوب شرق تركيا، وأنه مـا دام التهديد مستمرًا، سنقوم باتخاذ كل التدابير الـلازمـة لمـواجـهـته". 

وكذلك التصريحات التركية المتكررة بأن إنهاء عملية «درع الفرات» في شمال سوريا سيكون فاتحة لعمليات أخرى، وأن مهمّة الجيش التركيّ لم تنته بعد . لكن في اللامعلن هناك قــلــق تــركــي مــتــزايــد مـــن :

- احــتــمــال وجــود تفاهمات أمريكية إيـرانـيـة أعقبت الـتـفـاهـمـات الــنــوويــة قـبـل ثــلاثــة أعـــوام، حول دور أكبر لطهران في سوريا والعراق باتجاه إعادة رسم الخرائط وتحريك مشروع الكيان الكردي على الحدود التركية السورية والتركية العراقية .

- إعلان تنظيم " الحشد الشعبي " في العراق عن استعداده للانتقال إلى سـوريـا، إذا مـا تلقى دعـوة مـن النظام هناك لمحاربة " داعش ".

- احتمالات التنسيق بين الأحزاب الكردية الفاعلة في إقليم شمال العراق، لـتـضـيـيـق الـخـنـاق عـلـى تـركـيـا في إطار قبول المشروع الإيراني الاقليمي في المنطقة .

- تحرك إيراني أوسع لضرب التقارب الحاصل بين أنقرة والحزب الديمقراطي الكردي المحسوب على مسعود البارزاني ، بهدف قـلـب كـل المعــادلات الـتـي بـنـتـهـا أنـقـرة مع أربــيــل فــي الـسـنـوات الـخـمـس الأخيرة.

- لعب ورقة تمدد حزب العمال الكردستاني في سنجار وتنسيقه مع الحشد الشعبي باتجاه إقامة منظومة توازنات سياسية وديمغرافية تطال مباشرة الأمن القومي التركي خصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار ما أعلنته رئاسة الأركان التركية مؤخراً حول أن منظمة "بي كا كا" (العمال الكردستاني) وامتداداتها في سوريا والعراق أدخلوا عبر الممر الحدودي الثلاثي في المنطقة مئات العناصر والسلاح والذخيرة والمواد المتفجرة إلى تركيا بشكل مكثف في الآونة الأخيرة .

- انعاش مشروع الدولة الكردية الكبرى في مناطق تقاطع الحدود التركية السورية العراقية بعد طرد داعش من هناك، وإطلاق يد حزب العمال والوحدات الكردية لتلملأ الفراغ الجغرافي على حساب بقية الشرائح العرقية والدينية في سوريا والعراق .

تقارير غربية تنتشر بسرعة وتُغضب الأتراك أيضا كونها تتحدث عن قدرات سنجار في أن تتحول إلى نقطة ربط جيوستراتيجي بين روجافا الكردية وشمال العراق، ومركز ثقل تجاري وعسكري أساسي في الحلم الكردي الإقليمي .

أنقرة التي تتحسب لمشروع "الهلال الشيعي" الذي يربط طهران بسوريا، عليها أيضاً أن تستعد لـ"الهلال الكردي " الذي يبرز إلى العلن بالتنسيق الايراني الغربي .

الاعتراض الروسي على الغارات التركية مسألة أخرى تزيد الأمور تعقيداً بالنسبة للأتراك الذين لا يعرفون حجم انخراط الكرملين في هذا المخطط ..

  أنقرة التي كشفت النقاب عن أنها أعدت لهذه الغارات منذ 3 أشهر وبعد الإعلان عن انتهاء " درع الفرات " أرادت من خلال هذه الضربات أن توجه أكثر من رسالة بأكثر من اتجاه بعيداً عن الهدف المعلن وهو ضرب مواقع حزب العمال الكردستاني .  

تركيا أرادت :

- تحذير واشنطن من أي مشروع تفاهم سري مع طهران أو موسكو على حسابها في سوريا والعراق . أنقرة تقول إنها لن تسمح بتحويل سنجار إلى قنديل آخر، لكن الرسالة تعني قبل ذلك، القوى الإقليمية والدولية التي تنسق مع حزب العمال وقوات سوريا الديمقراطية التي توفر لها الدعم اللوجستي والقتالي ، فهل ستظل موسكو تراقب عن بعد أم أنها ستقول هي الأخرى ما عندها ؟

- اختبار حجم التعاون والتنسيق بين الإدارة الأمريكية الجديدة والتنظيمات الكردية في تركيا وسوريا وقياس ردة فعل واشنطن على إعلان الرئيس التركي أن بلاده ستمنع أي كيان كردي مستقل في سوريا.

- تركيا تقول أيضاَ إنها أبلغت واشنطن بالعملية، لكن القيادات العسكرية الأمريكية تقول إنها أُعلمت قبل ساعتين فقط بالعملية دون موافقة التحالف الدولي .

الخطوة التركية غير المسبوقة بدت مفاجئة للولايات المتحدة الأمريكية ولم تنل رضاها، حيث أكد الناطق باسم قوات التحالف الدولي جون دوريان، على أن القصف التركي لم يُنسق مع التحالف، فيما عبر الناطق باسم الخارجية الأمريكية مارك تونر عن "قلق بلاده العميق" من الخطوة التركية التي لم تكتف بقصف "حلفاء" واشنطن بل و"عرَّضت حياة جنودها للخطر" ؟ ما قيل حول زيارة قام بها ضباط أميركيون للمواقع التي استهدفها الطيران التركي في شمال سوريا يعقد الأمور أكثر فأكثر في لعبة التحالفات وصراع النفوذ الاقليمي والدولي .

- أردوغان يريد أن يكون أكثر قوة وممسكاً بالمزيد من الأوراق وهو في طريقه للقاء نظيره الأمريكي دونالد ترامب، في شهر مايو الجاري، وهذا ما يفعله عند التصعيد ضد أكثر من لاعب محلي وإقليمي، ويوجه التحية إلى ترامب من سنجار والحسكة .

- قناعة تركية تقول إن تسريع عملية القضاء على داعش يساهم في تخفيف التوتر الحاصل بين أنقرة وبغداد. أنقرة تقول إنها أبلغت واشنطن وموسكو وأربيل بالعملية، لكننا لا نعرف إذا ما كانت قد أبلغت بغداد أيضا.

هل نرى في الأيام المقبلة تنسيقاً تركيا عراقياً خارج النفوذ الإيراني خصوصاً وأن الأكراد في شمال العراق يتحركون باتجاه السيطرة على مدينة كركوك والتمهيد لاستفتاء الانفصال . انتقدت الخارجية التركية، قرار مجلس محافظة كركوك برفع علم إقليم شمال العراق، على المباني الحكومية في المدينة ، ورفضت أي تحرك كردي عراقي باتجاه الانفصال عن العراق، وحذرت من التمدد الإيراني في العراق عبر لعب أوراق تنظيمات محلية بينها " الحشد الشعبي "

واشنطن قبل وبعد الغارات التركية ؟ 

تردد أنقرة بأنها أبلغت واشنطن بالعملية العسكرية قبل ساعتين من وقوعها، لكنها لم تنسق معها في التفاصيل والأهداف . واشنطن تقول إنها أُبلغت بالقرار التركي قبل وقت قليل من وقوع الهجمات، لكنها فوجئت بها، خصوصا وأن الأتراك يعرفون حجم التنسيق في شمال سوريا بين الوحدات الكردية والقوات الأمريكية هناك في إطار الحرب على داعش .

الإعلام التركي المقرب من الحكومة هو الذي فاجأ الجميع عندما نشر معلومات نقلاً عن مصادر أمنية استخباراتية تركية تقول إن ضباط أمريكيين أبلغوا حلفاءهم الأكراد بالنوايا التركية ودعوهم لمغادرة المواقع العسكرية قبل تعرضها للقصف .

قيادات كردية في حزب الاتحاد الديمقراطي، تهدد بأنها ستسحب وحداتها من المعارك مع داعش، وستنقلها إلى المناطق الحدودية مع تركيا إذا فشلت واشنطن في منع الهجمات التركية .

تقارير أمنية وإعلامية تركية تردد بأنه تم إقامة حاجز فصل أمني وعسكري أمريكي بين الوحدات التركية والكردية في المناطق الحدودية لمنع القصف التركي رغماً عن الأتراك، وأن واشنطن تعهدت بتوفير الحماية الجوية للوحدات الكردية المنشغلة بمحاربة داعش في الرقة، لعرقلة أية غارة تركية جديدة في شمال سوريا .

 المُلفت كان أنه بعد ساعات فقط على الغارات التركية نشر الإعلام التركي صوراً لضباط أمريكيين وعناصر كردية تابعة لوحدات سوريا الديمقراطية وكوادر للعمال الكردستاني، جنباً إلى جنب في زيارة تفقدية للمواقع المستهدفة في الغارات التركية .

أردوغان يقول إن الدعم الأمريكي لقوات سوريا الديمقراطية يضر بروح التحالف التركي الأمريكي ويتعارض معه، لكن واشنطن غير عابئة بالتحذيرات التركية .  

لقاء ترامب- أردوغان المنتظر، فرصة مهمة لمعرفة آخر مواقف الطرفين، لكن الرهان على أن يتحول إلى لقاء يزيل أسباب التوتر والتباعد، فهي مسألة مستبعدة بسبب اتساع رقعة الشرخ في الخيارات والسياسات بين الجانبين .

الإعلام التركي يتناقل في هذه الآونة أخباراً عن مصادر استخباراتية تركية تقول إن أنقرة رصدت اتصالات لاسلكية بين وحدات أمريكية وكردية في شمال سوريا تحذرها من اتخاذ تدابيرها العاجلة ومغادرة أماكن حساسة من المحتمل أن تكون هدفاً للمقاتلات التركية في شمال سوريا .

احتمال آخر على ضوء تراجع العلاقات التركية الأمريكية وفشلها في الوصول إلى تفاهمات سورية وعراقية، وهو أن تتحرك تركيا للقيام بعملية عسكرية برية واسعة قد تشمل بقعة جغرافية واسعة تجمع منطقة الحدود التركية السورية العراقية المشتركة وفي مقدمتها تل أبيض والقامشلي وسنجار . في المقابل، أبلغت أنقرة فصائل حليفة في الجيش السوري الحر أن تكون على استعداد لتحركات عسكرية مرتقبة .

هل علينا أيضاً أن نضع في الحسبان، احتمال نجاح أو فشل اللقاء الأخير بين القيادات التركية والوفد الكردي العراقي بقيادة نجيرفان برزاني الذي زار أنقرة مؤخرا ؟ هل ستبقى المسألة محصورة بتحرك تركي في سنجار أم أن الرسائل التركية ستطال وحدات " الحشد الشعبي " التي قال عنها أردوغان إنها تتحرك بأوامر إيرانية لتنفيذ مشاريعها في العراق وسوريا ؟


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات