سياسة

ألم الضرس القطري

الأربعاء 2017.8.9 11:02 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 457قراءة
  • 0 تعليق
خالد بن حمد المالك

دولة قطر شئنا أم أبينا مثلها مثل الضرس الذي نخره السوس؛ فأصبح موجعًا ومزعجًا، ويصل ألمه إلى الرأس، ولا علاج له عادة إلا بخلعه؛ لأن المسكِّنات تهدئ من الألم لبعض الوقت، ثم ما يلبث الألم أن يعود من جديد متى انتهى مفعول المسكِّن. وقطر استُخدمت معها كل المسكِّنات بأنواع مختلفة، وبكميات أكثر من المطلوب، ولسنوات تزيد على العشرين عامًا، وما أفاد ذلك في القضاء على الألم، أو بتْره بشكل نهائي وقاطع؛ لأننا لم نخلع الضرس الذي هو سبب الألم؛ وبالتالي أصبح أنيننا يعاودنا ويتكرر، ونحن نهادن ونؤجل معركتنا مع هذا الضرس العنيد، بينما الوجع يزداد، وقدرتنا على تحمُّله أصبحت محدودة ومحاصرة بعدم وجود بدائل أو خيارات لما يسميه مجتمعنا (آخر العلاج الكَيّ). وآخر العلاج لنزوات قطر الإرهابية في قطع العلاقات معها، وإقفال الحدود بينها وبين الدول الأربع، وهذا هو المقصود من خلع الضرس المؤذي، ومن استخدام الكَي كآخر علاج للأزمة القطرية.
* *
لقد تحمَّلت الدول الأربع ما يمكن وصفه بأنه تحمُّل المشفق على قطر؛ لاستيعابها كدولة خليجية وعربية؛ لعلها تتعاون لمكافحة الإرهاب، لا تبنِّيه ودعمه وتمويله. وتحمَّلت تدخُّلها في الشؤون الداخلية لهذه الدول، وتحريضها للمواطنين على التمرد على أنظمتها؛ وذلك في سبيل منعها من الهروب إلى معسكر الأعداء من دول ومنظمات وكيانات وأفراد، ولكن الدوحة -كما شاهد الجميع- أبت أن تصغي للصوت العاقل، وأن تستجيب للشقيق المحب، وأن تلبي دعوة الجار الذي لا يضمر لها إلا الخير، واختارت إيران وإسرائيل والإخوان المسلمين وحزب الله أعوانًا وشركاء لها في مؤامراتها وتآمرها ضد دولنا؛ فكان لا بد من خلع هذا الضرس؛ للتخلص من آلامه، وهذا ما تم، وهكذا زال الألم، وانتهت المعاناة بقطع العلاقات مع قطر، وإقفال الحدود معها. وهو قرار مدروس، أخذت به الدول الأربع مضطرة؛ حتى لا تستمر مع قطر في أخذ وعطاء، ومهادنات ومناقشات لا تفضي إلى شيء؛ فسكن موقع الضرس المخلوع، وبات الجسم الخليجي والعربي لا يشكو من شيء، ولا يخاف مما يبيَّت ضد أمنه واستقراره في ليل.
* *
مَن الذي خسر في هذا التدخُّل الجراحي في الضرس مصدر الألم في المكان المشار إليه؟ إنها دولة قطر لا الدول الأربع، إنه الإرهاب الذي تقوده الدوحة نيابة عن إيران وغير إيران من أعداء أمتنا، وليست هذه الدول الأربع التي يشهد لها التاريخ بأنها أكثر من تأذّى من الإرهاب، وأكثر من كافح الإرهاب، وما زالت تتصدى له وتحاصره وتهزمه، رغم الدعم الإيراني القطري، والمساندة المكشوفة منها. وبهذا التحليل المتفق عليه فإن قطر تتعمد أن تؤذي نفسها، وتختار لمعاركها تلك أن يُحكم عليها مسبقًا بالفشل؛ مما ضيق الخناق عليها، وجعلها دولة منبوذة ما لم تصحح مواقفها، ومعزولة ما لم تراجع سياساتها، وتلتزم باحترام القوانين الدولية، وتعطي اعتبارًا وأهمية وتقديرًا لأشقائها. والأهم أن لا تعرِّض سلامة وأمن الشعب القطري للخطر بتصرفات طفولية، وبأعمال تسيء إليه، وتشوِّه صورته، دون أن يكون له دور في كل العمليات الإرهابية التي يخطَّط لها من الدوحة.
* *
على أن أمراض قطر لا تقتصر على دعم الإرهاب والتطرف والعنف والتحريض والتدخُّل في الشؤون الداخلية للدول، وإنما هي أمراض تمس كل الجسم القطري المريض بفعل تصرفات نظام تميم؛ إذ لو تم تشخيص هذا الجسم المريض لما وُجد فيه عضو بدون أن يشكو من حالة مَرضية؛ فقد تبيَّن أنه جسم موبوء، ومسرطن، بتآمر إيراني خبيث ضد هذه الشقيقة الصغرى، وأن نظام السلطة في قطر يرفض أي علاج، ويكتفي بالصياح، كأي مريض بائس، وكأي طفل يخيفه مشهد الطبيب الجرَّاح، ولا يقبل أن يأخذه ناصح أو محب إلى غرفة العمليات للتخلص من الأمراض المزمنة؛ فقد تبيَّن أنها أكثر من وجع الضرس، وأخطر من القول بأنها مؤامرة لقتل دولة قطر، لا الفيروس الموجود في هذا الجسم المريض.
* *
أنا لا أُحسن التشخيص الطبي لمريضنا، ولكني أتفهم ما يتحدث به الآخرون عنه؛ فأخاف عليه، وأنقل ما أعتقد أنه نصيحة محب لدولة قطر، لشيوخها؛ كي لا يتمادوا في أخطائهم؛ فقد تبيَّن خطأ قطر في سياساتها، وأنها بكل ما تفعله الآن إنما تجرُّ قطر إلى لحظات مميتة، يصاحبها حرمان المواطن القطري من أن يحيا حياة كريمة وآمنة كباقي أشقائه بدول مجلس التعاون، مع أن الدروب واضحة، والطرق سالكة أمام الدوحة لتكون الدولة التي لا يمسُّها أي ضرر، أو ينالها ما يعكِّر عليها الهدوء والسكينة، وذلك بالتفاهم البنَّاء مع الدول التي لم يعد أمامها من خيارات أخرى تتعامل بها مع قطر غير تلك التي أعلنتها، وصممت عليها.
* *
إني مشفق على قطر، لا أتوقع بُرء جرحها النازف بدون تصالحها مع جيرانها، وتفاهمها مع أشقائها، وتخليها عن الإرهاب والتطرف والتحريض، وابتعادها عن كل ما يعرِّض سلامة وأمن الأشقاء للخطر، بما في ذلك عدم التدخُّل في شؤونها الداخلية، فلماذا تمتنع الدوحة عن قبول العرض للمصالحة معها؟ لماذا ترفض الاستجابة للطلبات الثلاثة عشر، والطلبات الستة الأخرى، ولا تلبي الدعوة بالاتفاق على معالجة وضع القوائم الإرهابية التي أعلنتها دولنا، وفق المقترحات، وبالتفاصيل التي جاءت في تسميتها وإعلانها، سواء كمنظمات أو كيانات أو كأفراد، مع أن الموافقة على هذه الطلبات تعفي قطر من مسؤولياتها السابقة عن كل الجرائم التي ارتكبتها، وتعيدها من جديد إلى الحضن الخليجي، دون أي محاسبات أو محاكمات؟
* *
أستغرب أن تتحمل قطر ألم الضرس، ولاحقًا يكون جسمها وكأنه مستودع لكل الأمراض، ولا تقبل بعروض الأشقاء ومحاولاتهم لتجاوز أمراض الجسم القطري بوصفات تم إعلانها، فيما كان يجب عليها أن تتفهمها، وتستوعبها، وتقبل بها دون تردد، أو تسويف، أو مماطلة؛ حتى لا تبدو الدوحة وكأنها المريض في الجسم الخليجي الذي يقاوم بالرفض أي محاولة لأخذه إلى مصحات العلاج، فيما الدول الشقيقة تنظر إليه بإشفاق؛ لكونه يحصر قراره بموافقة إيران والموالين لها، وما عداهم فهي في شك من أمرهم، ولا قبول بأي مقترح أو دعوة تكون خارج حلفه المشؤوم مع الدولة الصفوية؛ بدليل فشل الوساطة الكويتية التي قادها الشيخ صباح الأحمد الصباح في الوصول إلى نتائج تحول دون ما تم اتخاذه ضد قطر من عقوبات.
* *
أصل إلى نتيجة مؤداها: لا تتفاءلوا كثيرًا بحل قريب للأزمة القطرية؛ فشيوخ قطر ما زالوا يكابرون في مواقفهم، ويتجهون نحو التصعيد من خلال قراراتهم. ولعل ما يملكونه من مال، وأنهم به يستطيعون أن يشتروا ذمم بعض النفوس الطفيلية، هو ما دفع بهم إلى هذا التشنج في مواقفهم، والإصرار على عدم تفهُّم مطالب الدول الشقيقة، والشعور بأن الدوحة على حق، بينما الرياض وأبوظبي والمنامة والقاهرة على خطأ، وأن طهران أفضل للدوحة من كل العواصم الخليجية والعربية.. وهو غباء لا ذكاء، يتميز به نظام تميم في قطر؛ فهو يعتقد (عن جهل) أنه في خطواته على حق، وغيره على باطل، فوا أسفاه!.

* نقلا عن "الجزيرة السعودية"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات