ابنة الرئيس المثير للجدل على بعد خطوة من حكم بيرو
قبل أكثر من 3 عقود، خطفت شابة في الـ19 من عمرها الأنظار عندما ظهرت إلى جانب والدها، الرئيس البيروفي آنذاك ألبرتو فوجيموري، خلال قمة الأمريكتين التي استضافتها الولايات المتحدة عام 1994.
لم يكن ظهور كيكو فوجيموري مجرد مشاركة بروتوكولية، بل كان بداية لمسيرة سياسية طويلة حملتها من منصب السيدة الأولى، الذي تولته عقب انفصال والدتها سوزانا هيغوتشي عن والدتها الرئيس إثر خلافات حادة واتهامات بالفساد، إلى أن أصبحت اليوم على أعتاب تحقيق حلمها القديم بقيادة بيرو.
واليوم، وبعد 3 محاولات رئاسية فاشلة في أعوام 2011 و2016 و2021، تبدو فوجيموري، البالغة من العمر 51 عامًا، أقرب من أي وقت مضى إلى الوصول إلى القصر الرئاسي، بحسب تقرير لشبكة "سي إن إن" الأمريكية.
وأظهرت النتائج النهائية لفرز الأصوات تقدمها بفارق ضئيل للغاية على منافسها اليساري روبرتو سانشيز، بعدما حصدت 50.13 % من الأصوات مقابل 49.86 %، ورغم هذا التقدم، فضلت الامتناع عن إعلان الفوز، مؤكدة أنها ستنتظر القرار الرسمي للسلطات الانتخابية، خاصة مع إعلان منافسها عزمه الطعن في النتائج.

انتخابات تحسم مستقبل بلد منقسم
تخوض فوجيموري الانتخابات في لحظة سياسية استثنائية تعيشها بيرو، التي شهدت خلال العقد الأخير تعاقب 8 رؤساء وسط أزمات سياسية متلاحقة، وفضائح فساد، وتصاعد معدلات الجريمة، وتراجع ثقة المواطنين في مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، بنت فوجيموري حملتها الانتخابية على شعار إعادة "النظام"، معتبرة أن البلاد باتت بحاجة إلى حكومة قادرة على استعادة الاستقرار وجذب الاستثمارات وإنهاء حالة الشلل السياسي.
وخلافًا لحملاتها السابقة، سعت زعيمة حزب "القوة الشعبية" إلى تقديم نفسها بصورة أكثر هدوءًا وبراغماتية، مع الابتعاد عن الخطاب الاستقطابي الذي طبع مواجهاتها السابقة مع اليسار.
واعترفت علنًا بارتكاب أخطاء سياسية، مؤكدة أنها تعلمت منها، في محاولة لاستقطاب الناخبين المترددين الذين ساهموا في إسقاط فرصها خلال الانتخابات الماضية.
ويرى محللون أن هذا التحول لم يكن شكليًا، بل جاء استجابة لدرس انتخابات عام 2021، حين ركزت حملتها بصورة شبه كاملة على مواجهة "الخطر الشيوعي"، وهو خطاب اعتبره كثيرون سببًا في خسارتها أمام الرئيس السابق بيدرو كاستيلو. كما أنها تجنبت هذه المرة الانضمام إلى مزاعم تزوير الانتخابات التي أثارها مرشحون يمينيون بعد الجولة الأولى، في محاولة لتعزيز صورتها كسياسية أكثر اعتدالًا.
إرث والدها... نقطة القوة والضعف
يبقى اسم فوجيموري أكبر أصول كيكو السياسية، وفي الوقت نفسه أكبر أعبائها؛ فوالدها، الرئيس الراحل ألبرتو فوجيموري، الذي حكم بيرو بين عامي 1990 و2000، لا يزال يمثل شخصية شديدة الاستقطاب.
ويُنسب إليه إنقاذ الاقتصاد البيروفي من الانهيار، والقضاء على تمرد جماعة "الدرب المضيء"، لكنه ترك أيضًا إرثًا مثقلًا باتهامات انتهاكات حقوق الإنسان والفساد، انتهى بإدانته والحكم عليه بالسجن قبل وفاته عام 2024.
ولطالما غذّى هذا الإرث ما يعرف في بيرو بـ"التصويت المناهض للفوجيمورية"، وهو تيار سياسي ومدني يرى في كيكو امتدادًا لنظام والدها. ولا تزال جماعات حقوق الإنسان والطلاب تنظم مظاهرات تحت شعار "كيكو لن تمر"، معتبرة أن وصولها إلى السلطة قد يعيد إنتاج ممارسات الماضي.

لكن تأثير هذا العامل يبدو أقل حدة مما كان عليه في الانتخابات السابقة، خاصة بين الناخبين الشباب الذين لم يعايشوا حقبة حكم والدها، وهو ما يمنحها فرصة أكبر لاختراق قواعد انتخابية جديدة.
قضايا فساد... وبراءة قضائية
لم تخلُ المسيرة السياسية لكيكو فوجيموري من الأزمات القضائية؛ فقد أمضت 13 شهرًا رهن الاحتجاز الاحتياطي خلال التحقيق معها في قضية تتعلق بتلقي تمويل غير مشروع من شركة الإنشاءات البرازيلية "أوديبريشت" لتمويل حملاتها الانتخابية، وهي الاتهامات التي نفتها باستمرار ووصفتها بأنها جزء من حملة اضطهاد سياسي استمرت عقدًا كاملًا. وفي مطلع عام 2025، أبطلت المحكمة القضية، ما منحها دفعة سياسية مهمة قبل خوض الانتخابات الحالية.
ورغم ذلك، لا يزال منتقدوها يحملونها جزءًا من مسؤولية حالة عدم الاستقرار التي عاشتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، متهمين حزبها، الذي يمتلك نفوذًا واسعًا داخل الكونغرس، بتعطيل الحكومات المتعاقبة والتأثير في عمل المؤسسات المستقلة.
وتنفي فوجيموري هذه الاتهامات، مؤكدة أن حزبها دعم التشريعات الاقتصادية والإصلاحية، وأن الأزمة السياسية نتجت عن ضعف الحكومات المتعاقبة أكثر من كونها نتيجة لمعارضة البرلمان.
وبين مؤيد يرى فيها فرصة لاستعادة الاستقرار الاقتصادي وجذب الاستثمارات، ومعارض يخشى عودة إرث الفوجيمورية إلى السلطة، تقف كيكو فوجيموري اليوم على أعتاب أهم محطة في مسيرتها السياسية. وإذا صادقت السلطات الانتخابية على النتائج، فإن الفتاة التي أصبحت سيدة أولى وهي في التاسعة عشرة من عمرها ستكون على موعد مع تحقيق حلم راودها لأكثر من ثلاثين عامًا، لتتولى رئاسة بلد لم يعرف الاستقرار السياسي منذ أكثر من عقد.