سياسة

الإسلام السياسي وتفتيت الدولة الوطنية

الأربعاء 2018.11.14 06:48 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 399قراءة
  • 0 تعليق
هاني سالم مسهور

منذ نشأة الدولة الوطنية في المنطقة العربية بعد عقود من الصراع الداخلي من ناحية، وجهود مقاومة السيطرة الاستعمارية من ناحية أخرى، واجهت الدولة الوطنية نوعين من التحديات: الداخلية، وخارجية، فالتحديات الداخلية أسهمت في تمكين التحالفات الدولية من التدخل لإجهاض بناء الدولة الوطنية في المنطقة العربية ومؤسساتها التي كانت قد تبلورت لدى المفكرين العرب، سواء أثناء الكفاح ضد الاستعمار أو على مشارف الاستقلال وبعده.

أظهرت دول كالسعودية والإمارات والأردن والمغرب مناعة قوية في خضم موجة الاستهداف التي استثارتها رياح ما يسمى الربيع العربي، في المقابل فإن دولاً أخرى حصلت على مناعة أعادتها لقوتها فالمصريون والتونسيون استعادوا المناعة

كشفت التحديات الداخلية عن وجود خلل في الفكر العربي الذي توزع بين مفاهيم تقليدية ومفاهيم حديثة لبناء الدولة تمثلت في علاقة الدين بالدولة، ومفهوم الديمقراطية، وسيادة القانون والنظام الاقتصادي، ودور المرأة، والعلاقة بين الدولة والسلطة، وغيرها من المفاهيم التي تمحورت حولها الجماعات والأحزاب، وأدت إلى نشوء صراعات داخلية عميقة ما زالت قائمة حتى اليوم.

ومن غير الممكن وضع الدول العربية كلها في سلة واحدة، لكن معظمها يعاني من انقسامات داخلية على المستوييْن الفكري والثقافي بأشكالهما المختلفة، كان ولا يزال من أهم أهدافه القضاء على الدولة ومؤسساتها من منطلقات تنسب إلى الدين الإسلامي زوراً وبهتاناً، فكل الجماعات السياسية الدينية قد حملت السلاح ضد الدولة الوطنية.

حيث عملت تلك الجماعات على تشويه مفهوم الدولة الوطنية من خلال نشر ثقافة عدم الدولة ونظامها ورموزها التعبيرية، وحرضت المجتمعات العربية بخطابها المتطرف ضد مؤسسات الدولة.

الدولة الوطنية العربية تواجه خطراً متجدداً تمثَّل في ظاهرة الإرهاب من جهة، وتغذية الصراعات الطائفية والمذهبية من جهة أخرى، ففكرة تصدير الثورة التي تبناها النظام الإيراني بعد سقوط نظام الشاه، والتدخل الإيراني في كثير من الدول العربية من لبنان إلى سوريا والعراق واليمن، أديا إلى تفكيك النسيج الاجتماعي في هذه المناطق وزرع جذور فتنة طائفية خطيرة، تهدد على المديين البعيد والقريب الدولة الوطنية.

الجماعات المتطرفة المنشغلة بالسياسة والمتلهفة على السلطة بفريقيها، العنفي الدموي، وتلك التي تزعم اتباع النهج "السلمي المجتمعي"، كلاهما ينطلق من أرضية واحدة، يبدو فيها الفضاء الديني مشكلاً للوهم أو للحقائق، يحركان من خلاله العواطف الدينية للشعوب العربية، من ذلك مثلاً الحديث عما يسمى بـ"عودة الخلافة الإسلامية".

حيث نراها معلنة في التطبيقات العملية وفي البيعة وفي الفعل الإجرامي لتنظيم داعش حاضراً وللقاعدة في السنوات الماضية، كما نجدها في الأدبيات الأولى للترويج الفكري بين الأتباع في تنظيم الإخوان المسلمين عند نشوئه في مصر.

فشل العروبيين والمتأسلمين في بلورة مشروعاتهم، يدفع إلى البحث عن بدائل انطلاقًا من الدول القائمة في المنطقة، لكن في حقيقة الأمر فإن تلك الدول هي بحكم الواقع ليست أممًا من حيث التعريف، إذ لا يمكن الحديث عن أمة لبنانية أو سورية أو عراقية أو ليبية منجزة وذات جذر ضارب في القدم. بمعنى آخر، من الممكن النظر إلى الدولة الوطنية مخرجاً ملائماً لجأت إليه بعض النخب الفكرية والسياسية، نتيجة لإشكالات حقيقية في المنطقة، لا يمكن تجاوزها إلا عبر بناء دول حديثة، والعمل على صياغة هويات وطنية، تسهم في تدعيم اللحمة والاستقرار الداخليين.

وقد أظهرت دول كالسعودية والإمارات والأردن والمغرب مناعة قوية في خضم موجة الاستهداف التي استثارتها رياح ما يسمى الربيع العربي، في المقابل فإن دولاً أخرى حصلت على مناعة أعادتها لقوتها فالمصريون والتونسيون استعادوا المناعة.

وهذا يعود في الأساس لنواة الدولة الوطنية الصلبة في مصر وتونس، بينما من الواضح أن دولاً أخرى ما زالت بعيدة عن تأسيس الدولة الوطنية، فهي ما زالت تعاني من التطرف الديني السياسي الذي أضعفها لحدود بات من الصعوبة التنبؤ بمستقبلها ما لم تستطع النخبة السياسية في تلك الدول وضْع أسس جديدة للبناء الوطني، هذا هو التحدي أمام النخب السياسية والفكرية لإنقاذ الأوطان من تهشيم تيارات التطرف الديني السياسي وإسقاطها في الفشل التي تدفع ثمنه الشعوب والمنطقة.

نقلا عن "البيان"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات