سياسة

بوتين وجولة المنطقة.. أعاد سائحيه لمصر واستعاد قواته من سوريا

الثلاثاء 2017.12.12 11:58 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 1850قراءة
  • 0 تعليق
الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يستقبل نظيره الروسي فلاديمير بوتين

الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي يستقبل نظيره الروسي فلاديمير بوتين

كان يوم الحادي عشر من ديسمبر/كانون الأول الجاري حافلا بالنسبة للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ففي رحلة مفاجئة حطت طائرة الرئيس الخاصة في مطار حميميم السوري للقاء القادة العسكريين، ومن ضمنهم الرئيس السوري بشار الأسد، وأمر من هناك بتقليص جزء كبير من قواته العسكرية الموجودة في سوريا، بعد أن أنهت، بحسب بوتين، مهماتها القتالية في محاربة داعش والتنظيمات الإرهابية الأخرى الموجودة في الساحة السورية، وهذا يعني بحسب صحيفة "كومرسانت" الروسية، أنه، حتى نهاية الأسبوع، ستغادر أكثر من 20 طائرة قاعدة حميميم الجوية إلى أماكن التمركز الدائم، وستركز الجهود الرئيسية للقوات الروسية المتبقية على منع المسلحين من شن هجمات انتقامية.


زيارة سوريا "بيان النصر"

وسائل الإعلام تباينت في تقييمها لإعلان ما أسموه "بيان النصر" من قبل بوتين في قاعدة حميميم، فقد أشارت صحيفة "كومرسانت" إلى تصريحات لوزير الخارجية الفرنسي التي شدد فيها على أنه من المبكر جدا الحديث عن انتهاء المعارك في سوريا ضد داعش، وهناك عدد من المدن ما زالت في قبضتها، وإنه من المؤسف أن تنسب روسيا لنفسها هذا النصر في مكافحة الإرهاب في سوريا، ونقلت عن البنتاجون قوله إن خطط روسيا "لن تؤثر على الأولويات الأمريكية فى سوريا".

قرار الرئيس الروسي، بحسب المراقبين، جاء انسجاما مع الحديث في وزارة الدفاع الروسية أواخر أكتوبر/تشرين الأول، أنه بعد استعادة القوات الحكومية نحو 95% من أراضي الجمهورية، لذلك فإنه يعتقد أن الجيش السوري لم يعد بحاجة إلى الكثير من الدعم الروسي، ومع ذلك ووفقا لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية، فإنه كان من المنطقي تنظيف آخر جيب من المتطرفين في شرق الفرات، وتثبيت قوات الرئيس السوري بشار الأسد في هذه المواقع، وبدء انسحاب المعدات العسكرية الروسية، ويرى مركز تحليل الاستراتيجيات والتكنولوجيات، أن قرار التقليص سيشمل تلك الطائرات التي تملك إمكانية العودة إلى سوريا بأسرع وقت ممكن إذا لزم الأمر، حيث توعد الرئيس الروسي الإرهابيين بضربات "لم يروها من قبل إذا ما فكروا برفع رؤوسهم مرة ثانية". 


ووفقا لقائد مجموعة القوات الروسية في سوريا، الجنرال سيرجي سورفيكين، فإن طائرات القوات الروسية نفذت 6956 طلعة جوية، وأكثر من 7 آلاف طلعة جوية للطائرات المروحية خلال فترة 227 يوما، تم خلالها قتل أكثر من 32 ألفا من المتشددين، وتدمير 394 عربة مدرعة، وتحرير نحو 1000 منطقة سكنية، و78 حقلا للنفط والغاز، وحتى اثنين من رواسب خامات الفوسفات، معربا عن قناعته بأن القوات المتبقية قادرة على الاضطلاع بالمهام المسندة بنجاح بنفس الكفاءة، مشيرا إلى أن القوات المشمولة بالتقليص ستعود إلى أماكن تمركزها الدائم حتى نهاية الأسبوع.

أما صحيفة "ألازفيستيا"، فقد أشارت إلى أن الحرب في سوريا خدمت روسيا بشكل كبير، وحلت العديد من المشاكل الداخلية الخاصة بها، وأهمها تلك العملية الاستراتيجية الخاصة بتدمير العصابات الإرهابية، التي نشأت في بلدان رابطة الدول المستقلة وفي روسيا نفسها، بعد أن أصبحت داعش، ومنذ عام 2014 مركز جذب لجميع أنواع المتطرفين، وقد أتاحت روسيا، بطريقة واضحة وصريحة، الفرصة لجمع هؤلاء في سوريا وتدميرهم بالجملة، بدلا من اصطيادهم فرادى على أراضيها، وربما أراضي جمهوريات آسيا الوسطى، حيث يشكلون خلايا إرهابية نائمة في الموقع الخلفي لها.


المهمة الثانية التي استفادت روسيا من خلال حملتها العسكرية في سوريا بحسب الصحيفة، هي تدريب أفراد القوات المسلحة على حرب حديثة، حيث شارك في الحرب جميع قادة المناطق العسكرية وجيوش الأسلحة المشتركة وجيوش الدفاع الجوي، وأكثر من نصف قادة كتائب وأفواج الأسلحة المشتركة.

أما المهمة الثالثة، فهي أن الحرب السورية باتت في الواقع "حملة إعلانية" ليس فقط للقوات المسلحة الروسية بعد الإصلاح الذي بدأ منذ عام 2009، ولكن أيضا للأسلحة الروسية، حيث تحولت سوريا إلى منطقة تجريبية، مرت خلالها مئات الأسلحة الجديدة والمعدات والمعدات العسكرية والخاصة. وقد قامت وزارة الدفاع بجمع ملاحظات حول هذه التقنية بعد نتائج الحرب السورية، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على الأسلحة الروسية، على الرغم من أن منطقة الشرق الأوسط تعج بمندوبي شركات الأسلحة الدوليين.

عموما فإن الزيارة من وجهة نظر الروس رسالة من الرئيس الروسي إلى من يعنيهم الأمر؛ مفادها أن روسيا باقية في الشرق الأوسط مع قواعدها لفترة طويلة، وتأكيده نية القوات مواصلة الحفاظ على النظام ليس فقط في سوريا، ولكن في جميع أنحاء الشرق الأوسط؛ لأن روسيا هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي يمكن أن تتفاوض مع جميع الأطراف، والوحيدة التى يمكن أن تكون وسيطا فعالا بين الدول فى الشرق الأوسط.

بوتين في مصر

أما في مصر، فقد كسر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تقاليده التي اعتادها، وهي أن تكون زيارته على قدر اجتماعاته، والتي لا تزيد على خمس ساعات أو بالكثير يوم واحد، وقرر البقاء فيها لليوم الثاني بعد أن استقبل في القاهرة كـ"بطل قومي" بحسب وسائل الإعلام الروسية، زيارة رافقه فيها وزير الخارجية سيرجى لافروف، ووزير الزراعة نيكولاي فيودوروف ووزير التنمية الاقتصادية إليكسي أولوكاييف، ووزير الصناعة والتجارة دينيس مانتوروف، ووزير الطاقة ألكسندر نوفاك، وشدد المراقبون على أنها ستكون عالقة في أذهان المصريين، وزاد زخمها بأجواء احتفالية وملصقات وتدابير أمنية مشددة رافقت موكب الرؤساء من مدافع الرشاش والسيارات الحاملة للمدافع المضادة للطائرات، وحتى في تبادل الهدايا، قدم بوتين بندقية كلاشينكوف ثمينة، في حين رد له السيسي الهدية بلوحة فنية مرسومة بخراطيش مصنوعة من المعادن الثمينة، ومكتوب فيها أسماء الفراعنة التقليديين باعتبارها رمزا للسلطة في مصر.


وبناء على نتائج الزيارة فقد خطط بوتين والسيسي لتعزيز التعاون بين البلدين؛ بهدف إرسال رسالة بأنها سوف تكون طويلة المدى، وأن روسيا مستعدة للاستثمار في هذا البلد بصفقات كبيرة، وكذلك رغبة الزعيمين تأكيد شعورهما النفسي المشترك لبعضهما في معارضتهما للغرب بشكل عام وأمريكا على وجه الخصوص وقد أكد فاسيلي كوزنيتسوف رئيس مركز الدراسات العربية والإسلامية في معهد الدراسات الشرقية التابع للأكاديمية الروسية للعلوم أن صعود السيسي إلى سدة الرئاسة ساهم كثيرا في تعزيز العلاقة مع روسيا من خلال الاتصالات الشخصية بين الرئيسين، قابلها فتور في علاقات مصر مع الولایات المتحدة، وهو ما دعا الرئيس المصري إلى البحث عن شركاء جدد ليس في المجال السياسي وحده، بل أيضا في المجال الاقتصادي، حيث أراد السيسي من الزيارة أن تسهم في حل العديد من المشاكل الاقتصادية الداخلية، بالاعتماد على روسيا في إنشاء مشاريع كبرى.

روسيا ذاتها تبحث عن شركاء لها في الشرق الأوسط، بعد خسارتها للعديد من حلفائها في العراق وليبيا واليمن، لذلك فإن الزيارة أفرزت عن اتفاقيات مهمة في مجال الطاقة، باستثمار روسي يصل إلى 21 مليار دولار في محطة الطاقة في "الضبعة" لبناء 4 مفاعلات نووية فيها سيتم إنجازها بين عامي 2028-2029 بحسب ما أعلنه رئيس شركة "روس آتوم" الروسية للطاقة، أليكسي ليخاتشيوف، وكذلك عزم روسيا مساعدة مصر على إنشاء صناعة نووية بأكملها، وتدريب الموظفين، وتطوير العلوم، ويرى الرئيس الروسي آفاقا كبيرة للتعاون مع مصر فى قطاع الفضاء والاستخدام المشترك لنظام الملاحة الروسي جلوناس.

وتقول صحيفة (لينتا . رو) الإلكترونية، إن بوتين استجاب للافتات التي رُفعت من قبل المصريين في كل زاوية من زوايا القاهرة وأعمدتها وأسطح المنازل ومحطات الحافلات، وتساءلت فيها عن موعد عودة السياح الروس إلى مصر، وحدد الأول من فبراير/شباط المقبل موعدا لإطلاق الرحلات الروسية المباشرة إلى المنتجعات المصرية، بعد أن نفذت القاهرة العديد من الإجراءات الأمنية المشددة، واستيفاءها شروط السلامة في مطاراتها التي طلبتها موسكو كشرط أساس، تحسبا في عدم تكرار مأساة عام 2015، بحسب تصريحات وزير النقل الروسي مكسيم سوكولوف.


الجانبان المصري والروسي يعولان كثيرا على ما تم التوقيع عليه من اتفاقية إنشاء مدينة صناعية "مصرية- روسية"، حيث وضع الجانب الروسي الخطة الرئيسية وخطة العمل لبناء هذه المنطقة التي ستغطي مساحة 5 ملايين متر مربع في شرق بورسعيد، وخلق 35 ألف فرصة عمل، وتبلغ تكاليف المرحلة الأولى للبناء 190 مليون دولار، بينما تقدر قيمة إجمالي الاستثمارات في هذا المشروع بنحو 7 مليارات دولار". بالإضافة إلى التعاون لتحديث السكك الحديدية المصرية الذي يغطي مسافة 1200 كيلومتر في مصر يتضمن الكهرباء وتركيب نظم السيطرة التلقائية وتوريد قاطرات السكك الحديدية والآلات والمعدات والمواد والصيانة وإصلاح عربات القطار وتدريب المتخصصين المصريين، وسوف يقدم الجانب الروسي اقتراحاته قريبا للجانب المصري".

الزيارة وكما تراها صحيفة "أزفيستيا"، ركزت على حاجة روسيا للحفاظ على السوق المصرية على الأقل في مشتريات الحبوب، خصوصا وأن مصر تعد أكبر مشتر للقمح الروسي، وأن ثلث جميع الصادرات الروسية من هذا المنتج هي في بلد الأهرامات، حيث تصل حصة الحبوب الروسية إلى 40% من الحبوب التي يستهلكها المصريون، وإن إمدادات القمح من روسيا إلى مصر مثلا في يناير/كانون الثاني - نوفمبر/تشرين الثاني 2014 بلغت - 3.8 ملايين طن، أو 24 في المائة من الصادرات الروسية، في حين تركزت الواردات الروسية من مصر على البرتقال والبطاطا.

أما الجانب السياسي فلم يأخذ ذلك الحيز المطلوب بإجماع المراقبين في لقاء بوتين-السيسي، على الرغم من أن المتغيرات الدولية الجديدة بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، توجب على موسكو التي تؤيد أن تكون القدس عاصمة لدولتين، والقاهرة، اللاعب الأساسي في التسوية العديد من مشاكل المنطقة، أن تلعبا دورا رئيسيا في منطقة الشرق الأوسط وتأكيد دورهما في إنقاذ المنطقة من الفوضى التي خلفتها الولايات المتحدة بما في ذلك في سوريا، والتي سوف تؤثر على منطقة الشرق الأوسط بأسرها.


تعليقات