سياسة

قطر ومتلازمة الفساد والإفساد

السبت 2018.8.4 10:02 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 334قراءة
  • 0 تعليق
عاطف السعداوي

عزيزي القارئ: حاول أن تكتب كلمة "رشاوى" في "جوجل" وانظر ماذا سيأتيك؟ فقد تصدمك حقيقة وجود اسم دولة عربية ضمن معظم الأخبار الحديثة حول هذا الموضوع، ليس في مجال مكافحتها لهذا النوع من الجرائم الأخلاقية ولكن في إطار ممارسة حكومتها لهذه الجريمة بشكل متكرر في الآونة الأخيرة، لذا ستجد أن أول 12 خبرا أوردها محرك البحث الأشهر عن الرشاوى كانت عن قطر وعن رشاوى قطرية، قد تكون نتيجة البحث صادمة لكنها ليست مفاجئة بالنظر إلى ما يتم الكشف عنه بشكل يكاد أن يكون يوميا من فضائح فساد بطلها النظام القطري، فلم يكد يمر أسبوع على ما كشفت عنه هيئة الإذاعة البريطانية من معلومات مرعبة حول فدية المليار دولار التي دفعها النظام القطري لمجموعات إرهابية مرتبطة بإيران إلا وكنا على موعد مع أسبوع آخر شهد كل يوم من أيامه تقريبا كشفا جديدا عن فضيحة قطرية جديدة بمضون واحد، استخدام أموال الشعب القطري في غير موضعها بغية تحقيق مكاسب بطرق غير مشروعة.

يبقى السؤال: هل سيقف المجتمع الدولي ومنظماته وقواه الفاعلة والمعنية والمتضررة عاجزين ومكتوفي الأيدي، أم سيكون لهم رأي آخر فيما تم وسيتم الكشف عنه من وقائع فساد قطرية لا تنتهي؟

بدأ الأسبوع بما كشفت عنه صحيفة صنداي تايمز البريطانية من وثائق تشير إلى أن قطر لجأت إلى "عمليات سوداء" لاستضافة كأس العالم 2022 عبر اللجوء إلى صفقات سرية لتقويض ملفات الدول المنافسة لها على شرف الاستضافة، وذلك بنشر دعاية مضللة تستهدف ملفات الولايات المتحدة وأستراليا، وهو ما يتناقض مع قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم التي تمنع تماما التعرض لملفات الدول المنافسة بأي شكل من الأشكال، ما قامت به قطر هنا ليس مستغربا قياسا على سلوك النظام القطري الذي لا يتورع عن فعل أي شيء مهما كان مستهجنا أو محرما أو مجرما وصولا إلى مبتغاه، لكن الملفت في هذه الفضيحة الجديدة هو ما كشفت عنه من أن النظام القطري في مسعاه لتحقيق مبتغاه لم يقصر استخدامه لأمواله السوداء على مسؤولين رياضيين فاسدين في منظومات فاسدة، كما فعل مع عدد كبير من أعضاء اللجنة التنفيذية للفيفا التي منحت بلاده شرفا لا تستحقه، بل حاول إفساد مسؤولين سياسيين وأكاديميين ومشرعين في منظومات لا تقبل بالفساد وتلفظ الفاسدين، وحاول دفع بعضهم للعمل ضد المصلحة الوطنية لبلادهم، وحاول إفساد أكبر المؤسسات الأمريكية ودفعها للعمل ضد مصلحة بلادها.

فمن بين ما كشفت عنه الصحيفة البريطانية هو تخطيط قطر أثناء أسبوع التصويت على استضافة كأس العالم لصدور قرار من الكونجرس الأمريكي حول الآثار الضارة للعرض الأمريكي لاستضافة كأس العالم، وأنه من الأفضل توفير نفقات الاستضافة وإنفاقها على البرامج الرياضية في المدارس الثانوية، وكذلك قيام الدوحة بدفع تسعة آلاف دولار لأستاذ اقتصاد أمريكي مرموق لكتابة تقرير أكاديمي حول الأعباء الاقتصادية التي قد تترتب على الولايات المتحدة حال استضافتها كأس العالم، على أن يوزع هذا التقرير لاحقا على وسائل الإعلام الدولية.

ولم تكتف قطر بذلك بل وصل الأمر إلى دفع مبالغ طائلة لعملاء سابقين لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية للقيام بالعمل ذاته، وفي أستراليا كشفت التسريبات عن تنظيم قطر لمظاهرات مدفوعة قام بها بعض الشباب، وتنتقد قرار الحكومة الأسترالية التقدم بطلب استضافة كأس العالم وإهمال رياضة الرجبي ذات الشعبية الأكبر في البلاد، وذلك في محاولة لإثبات عدم وجود دعم شعبي وراء الملف الأسترالي، وهو أحد العناصر المهمة في حسم قرار الاستضافة.

ولم يكد يمضي يوم واحد على ما نشرته الصحيفة البريطانية حول هذه الفضيحة السوداء إلا وكان جوزيف بلاتر، الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم، يكتب فصلا جديدا من فصولها حينما أشار عبر حسابه على تويتر إلى أن قطر فازت باستضافة كأس العالم بعد تدخلات سياسية قام بها الرئيس الفرنسي وقتها نيكولا ساركوزي، ونائب رئيس الفيفا وقتها الفرنسي ميشيل بلاتيني، تغريدة قصيرة، ومعلومة ربما كانت معروفة، لكنها جاءت على لسان الشاهد الأكبر على تفاصيل أكبر فضيحة رياضية في التاريخ، لتثبت أن قطر منحت شرفا لم تكن لتناله لولا فسادها وشراؤها لذمم كبار المسؤولين ورشاويها التي وصلت إلى رئيس دولة، وأي دولة!

يد الفساد القطرية لم تصل فقط لمؤسسة الرئاسة في فرنسا ولا لمؤسستي الكونجرس والمخابرات المركزية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكنها طالت موظفين صغارا، فالعقل السياسي القطري لا يفرق بين مسؤول كبير أو موظف صغير طالما يحقق له ذات الهدف، ففي أحدث حلقة من سلسلة الفساد القطري كشف الادعاء العام في نيويورك عن تورط البعثة الدبلوماسية القطرية لدى الأمم المتحدة في فضيحة رشوة بمطار جون كينيدي الدولي بنيويورك، حيث قامت بتقديم هدايا وتسهيلات إلى موظفة بالمطار وشخص آخر منذ عام 2014، من أجل الحصول على استثناءات تخص الطائرات القطرية، والسماح لها بالمبيت في المطار أثناء انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وهو ما يتعارض مع القواعد المعمول بها في هذه المناسبة، حيث يتعين على طائرات البعثات المغادرة في غضون ساعتين من الوصول فقط، وهو ما يعني خرق القواعد الأمنية للمطار.

لم يطوِ كتاب الفضائح القطرية بعد، فبالتأكيد ما خفي كان أعظم، وما سيتم كشفه قد يكون أكثر خطورة، فكل وقائع الفساد وسقطات الأخلاق القطرية التي تم كشفها ليس مجرد هفوات فرضتها ضرورة آنية أو وقائع فردية غير قابلة للتكرار وإنما تعكس نسقا سياسيا ونهجا منظما في التفكير وطريقة في التعاطي مع أحلام وطموحات تفوق كثيرا القدرات والمقدرات، لذا فإن تكرارها أو كشف المزيد منها أقرب إلى المنطق، وهنا يبقى السؤال: هل سيقف المجتمع الدولي ومنظماته وقواه الفاعلة والمعنية والمتضررة عاجزين ومكتوفي الأيدي، أم سيكون لهم رأي آخر فيما تم وسيتم الكشف عنه من وقائع فساد قطرية لا تنتهي؟

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات