مجتمع

طقوس رمضان بالمغرب.. ذكر وقيام ودروس في حضرة الملك

الأربعاء 2017.5.31 06:13 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 928قراءة
  • 0 تعليق

بكلمات قليلة تحمل معاني ومشاعر كبيرة "مبروك العواشر" (أيام مباركة)، يهنئ المغاربة بعضهم البعض بقدوم شهر رمضان. 

وعلى صدى صوت المدفع الذي يدق ثلاث مرات متتالية بعد آذان مغرب آخر ليلة من شهر شعبان إيذانا برؤية هلال شهر رمضان، يستقبل المغاربة بالزغاريد شهر الرحمة حيث يكون الحرص الأكبر على الحفاظ على روحانيات هذا الشهر الذي خصه الله بفضله.

طقوس دينية وروحانية خاصة وعادات ضاربة في عمق التاريخ هي تلك التي تسبق احتفاء المغاربة بالشهر الكريم، حيث يتجدد الاعتناء بالمساجد تنظيفا وطلاء ومفروشات، كما يتم اختيار أئمة المساجد والذين سيصلون بالناس أيام رمضان.


ولأن رمضان ضيف عزيز وجب استقباله بما يليق به من حفاوة وبهجة وخشوع أيضا، يحرص المغاربة على أداء الصلوات في المساجد، خاصة صلاة التراويح حيث تكتظ المساجد بالمصلين، ويستمر الجدول الديني من الفجر حتى آخر الليل.

واعتبر عبد الغني مندر، عالم اجتماع، أن استعداد المغاربة لشهر الصوم يبدأ في وقت مبكر، حيث يستقبلونه بالصيام في شهر شعبان الذي يبشرهم باقتراب رمضان، وما أن يدخل شهر رمضان في المغرب حتى تنطلق الألسنة بالدعاء والاستغفار والاجتهاد في الطاعات والسعي إلى اغتنام الأوقات بقراءة القرآن الكريم، فتجد الناس اكثر خشوعا ويتبادلون الأدعية والزيارات تبركا بشهر الرحمة والمغفرة.

وهو ما يعكس حسب ما صرح به مندر لـ"العين"، العمق الروحي لشخصية المغربي الذي يظل متشبثا بالتاريخ بكل حمولته الدينية.

وشدد مندر على أن حرص المغربي على العبادة يعتبر مصدرا للتصالح مع الذات ونيل رضا الخالق، مشيرا إلى أن الصوم يشكل ثاني أفضل مصدر للسعادة في قلوب المغاربة وفق دراسة علمية.

وتقام، طيلة الشهر الكريم، الدروس الدينية في المساجد بعد صلاة الظهر مباشرة، وبعد صلاة العصر يجتمع المصلون لـ"لقراءة الحزب" بشكل جماعي، كما جرت العادة في المغرب الذي يأخذ بالمذهب المالكي.

وتتميز القراءة المغربية بمقاماتها المميزة وطريقة مدها للحروف وتسكنيها ونطقها لها، ويعتمد القراء المغاربة ما يعرف بقراءة "ورش"، المنسوبة إلى "أهل المدينة"، والمنتشرة في الغرب الإسلامي من دول إفريقيا، وهي مختلفة عن قراءة "حفص"، المنسوبة إلى أهل الكوفة في العراق، التي تعتمدها أغلب دول العالم الإسلامي.

وفي شهر رمضان تقام مباراة لتجويد القرآن الكريم والتي تنظمها وتنقلها إحدى القنوات المغربية حيث تبرز أصوات رائعة يتم تكريم الفائز منها من طرف العاهل المغربي، في الوقت الذي يحرص الكثيرون في هذا الشهر على ختم القرآن وحفظ سور منه.

ولا تستقيم الأجواء الرمضانية في المغرب، دون أداء صلاة التراويح، حيث تكتظ المساجد بالمصلين من مختلف الأعمار، بما فيهم الأطفال والنساء اللواتي يقبلن بكثرة في هذا الشهر على صلاة العشاء والقيام جماعة في المسجد الذي يخصص جناح منه للنساء.

وتتميز مساجد المغرب بطرازها الفريد الغني بالتراث المعماري الإسلامي والتأثير المتبادل لحضارات مختلفة خاصة الحضارة الأندلسية التي أصبحت سمة بارزة لفن بناء المساجد المغربية.

ويقول زائر سوداني عن المساجد المغربية: "هي مبنية بطريقة تتيح لك الشعور بقدمها، والراحة الروحية فيها، وتشعر أنها قادمة إليك من تراث عمره ألف سنة، حتى الهواء الذي تتنفسه داخلها تشعر بأنه قادم من زمن دولتي الموحدين والمرابطين، وهي دول أقيمت في جغرافيا المغرب قبل قرون، فينتابك خدر ينقلك إلى أسمى الراحات النفسية، التي لم تشعر فيها في أي جامع وفي آي بلد آخر".

وقبل أن تضيق المساجد بالمصلين، يقوم المشرفون عليها، بفرش باحاتها وشوارعها الجانبية بالحصائر ساعة قبل العشاء، لاستقبال من يرغبون في سماع الدرس اليومي، والاستعدادا لأداء صلاة القيام، وفق تعبير أحمد بلعربي، أحد المحسنين الذين شيدوا إحدى المساجد في مدينة تمارة المجاورة للعاصمة الرباط.

وأكد بلعربي في تصريحه لـ"العين"، أن حرص المغاربة لا يكون فقط على أداء صلاة القيام كل ليلة من ليالي رمضان، ولكن عينهم دائما تكون على بلوغ ليلة القدر التي يتأهب لها الجميع بالذكر والدعاء.

وتتهيأ البيوت والمحلات لاستقبال ليلة القدر والاحتفاء بها، بطقوس دأب المغاربة على إحيائها منذُ سنوات؛ حيث يرتدي الصغار، الصائمون لاول مرة يومها، الجلباب المغربي، فيما تحضر ربات البيوت الطبق الخاص بهذه الليلة، وهو "الكسكس" الذي يكون وجبة العشاء في أغلب البيوت المغربية، فيما يقضي المصلون ليلتهم ذهابا وإيابا إلى المسجد الى حين شروق الشمس. 

ولتأكيد روحانيات رمضان في المغرب، فمنذ ستينات القرن الماضي إلى اليوم، أصبحت "الدروس الحسنية الرمضانية" تقليدا سائدا، حيث أسسها الملك الراحل الحسن الثاني، وحفظها وريث عرشه الملك محمد السادس.

والدروس الحسنية هي سلسلة دروس دينية تلقى كل شهر رمضان في حضرة أمير المؤمنين ملك البلاد وتحت رئاسته الفعلية بحضور كوكبة من العلماء والمشايخ ومشايخ الصوفية والدعاة والقراء والمفكرين والمثقفين من المغرب وخارجه بغض النظر عن مذاهبهم وتوجهاتهم الفكرية.


ويحل هؤلاء العلماء جميعا في ضيافة العاهل المغربي طيلة أيام الشهر، حيث يكون حجهم السنوي الى المغرب فرصة لإلقاء الدروس والمحاضرات وتبادل الافكار والاراء ومناقشة شؤون الامة والمشاورة في ايجاد حلول لها وفق منهجية علمية، ووسطية واعتدال في الطرح والمعالجة، بعيدا عن الغلو او التشدد.

كما تفتح لهؤلاء الفقهاء والعلماء ابواب المساجد والجامعات والمؤسسات التابعة لوزارة الأوقاف في مختلف المدن المغربية لألقاء خطبهم او محاضراتهم دون توجيه او رقابة مسبقة على اختيار الموضوع او طرحه شرط الابتعاد عن فكر الكراهية والتطرف والإرهاب.


تعليقات