سباق المعادن.. صراع القوى على الكنوز «النادرة»

تحولت المعادن الأرضية النادرة إلى عنوان رئيسي في كل الأخبار، مع ضغط أمريكا على أوكرانيا، لإبرام صفقة مهمة، ما أعاد التذكير بأهميتها.
هذه الأهمية الكبيرة "للمعادن الأرضية النادرة" جعلها محورا للعديد من النزاعات الجيوسياسية؛ فعلى سبيل المثال ربط الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استمرار المساعدات التي تقدمها بلاده لأوكرانيا بالوصول إلى مواردها من هذه الثروة.
والمعادن النادرة هو مصطلح شامل لـ17 عنصرًا معدنيًا موجودًا في قشرة الأرض تتمتع بخصائص فريدة مثل القدرات المغناطيسية والتوصيل الكهربائي ومقاومة التآكل، وهو ما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من صناعة كل شيء من ولاعات السجائر إلى الهواتف الذكية وأنظمة توجيه الصواريخ، وهو ما أشعل شرارة نوع حديث من "حروب الموارد".
وعلى الرغم من اسمها، فإن المعادن النادرة وفيرة نسبيًا في جميع أنحاء العالم، ولكنها لا توجد غالبًا في رواسب مركزة؛ الأمر الذي يجعل عملية الاستخراج والتكرير معقدة ومكلفة وذلك وفقا لما طالعته "العين الإخبارية" في مجلة "نيوزويك" الأمريكية.
وحاليا، تغذي الرغبة في السيطرة على المعادن الأرضية النادرة، الاضطرابات في وسط أفريقيا، ويُعتقد أيضًا أنها وراء اهتمام ترامب بالسيطرة على جزيرة غرينلاند الدنماركية.
وبالإضافة إلى النفط والغاز الطبيعي، تحتوي الجزيرة الدنماركية التي تتمتع بالحكم الذاتي على رواسب كبيرة من العناصر الأساسية خاصة تلك المستخدمة في الإلكترونيات والطاقة المتجددة وتطبيقات الدفاع.
ونظرًا لحركات الصفائح التكتونية التي تخلق ظروفًا مواتية للتعدين، فإن مناطق معينة مثل شمال وجنوب أفريقيا، وكذلك الساحل الغربي لأمريكا الجنوبية، لديها رواسب مركزة من المعادن الأرضية النادرة.
وبفضل رواسب الزنك، تحول المغرب إلى لاعب كبير في تصدير هذا المعدن الذي يستخدم على نطاق واسع في البطاريات وكذلك المنتجات الصيدلانية.
كما ساهم وجود المعادن الثمينة في جنوب أفريقيا في امتلاكها للاقتصاد الأقوى والأكثر تنوعًا في القارة السمراء.
فيما تعد أوكرانيا موطنا لعدد من الاحتياطيات المعدنية، بما في ذلك الليثيوم، والتيتانيوم، وهو معدن خفيف الوزن ومقاوم للتآكل يستخدم في بناء الطائرات والأدوات الجراحية ومعدات المعالجة الكيميائية.
سجال ترامب وأوكرانيا
ورغم أن هذه الاحتياطيات لم تكن مستغلة إلى حد كبير في أوكرانيا، فإنها كانت في مرمى بصر ترامب.
وطلب الرئيس الأمريكي منح بلاده حق الوصول إلى المعادن الأرضية مقابل استمرار المساعدات العسكرية.
والأسبوع الماضي، تم تقديم اقتراح إلى المسؤولين الأوكرانيين للسماح للشركات الأمريكية بالاحتفاظ بحصة 50% في رواسب المعادن الأرضية كتعويض عن الدعم العسكري الأمريكي الماضي والمستقبلي.
وروسيا تغازل بمعادنها
في المقابل، غازلت روسيا التي تمتلك أيضا الكثير من رواسب المعادن الأرضية النادرة، الولايات المتحدة، إذ أكد الكرملين انفتاح موسكو على إبرام صفقات مع واشنطن في هذا المجال.
وقال المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، إن موسكو لديها خططها الخاصة للتنمية فيما يتعلق بالرواسب المعدنية لكنها مستعدة للتعاون مع واشنطن عندما تأتي "لحظة الإرادة السياسية".
جاء ذلك غداة تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للتلفزيون الرسمي، والتي أكد فيها انفتاح بلاده على مشروعات مشتركة مع الشركاء الأمريكيين، سواء الحكومة أو القطاع الخاص، بموجب اتفاق اقتصادي مستقبلي بين البلدين.
ووفقا لبيانات هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، تمتلك روسيا خامس أكبر احتياطيات من المعادن الأرضية النادرة في العالم وذلك بعد الصين والبرازيل والهند وأستراليا.
سباق مستمر
وتظل الصين القوة العالمية في العناصر الأرضية النادرة، حيث تمتلك 44 مليون طن متري، وتظل أكبر منتج للعناصر الأرضية النادرة في العالم، وهو الأمر الذي يدفع الولايات المتحدة لتكثيف جهودها لتوسيع احتياطياتها المعدنية.
وفي تصريحات لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، قالت صوفيا كالانتزاكوس، أستاذة الدراسات البيئية والسياسة العامة في جامعة نيويورك أبوظبي، إن "المعادن النادرة ذات قيمة كبيرة بسبب تطبيقاتها التكنولوجية المتنوعة، والتطبيقات العسكرية، وتطبيقات الطاقة المتجددة".
وأضافت "حاليا، لدينا ما يكفي من المعادن النادرة.. لكن مع وجود هذه المنافسة الاقتصادية الضخمة، استيقظ الغرب على حقيقة مفادها أن الصين تسيطر على سلاسل التوريد بأكملها من المنجم إلى السوق".
ومؤخرا، كتب روبرت موغا، زميل في جامعة برينستون، ورافال روهوزينسكي، زميل أول في مركز كندا للابتكار، أن الموارد المعدنية في أوكرانيا "ليست محورية لسيادتها فحسب، بل وأيضًا لاستقلال أوروبا في مجال الطاقة والمنافسة بين الولايات المتحدة والصين على الهيمنة التكنولوجية".
واعتبر أن "السيطرة على هذه الموارد هي عامل حاسم، وإن كان غير مقدر، في تشكيل مسار الصراع ومن المؤكد تقريبًا أنه سيؤثر على ملامح حله".