طهران تحت «وصاية» المليشيات.. تصدع الداخل وتآكل النظام (خاص)
من تصدير أذرعه المليشياوية للخارج، إلى استدعائها للداخل لحماية نظامه من التآكل المتسارع في أجهزته الأمنية واتساع فجوة الثقة بين النظام والمجتمع؛ هكذا بدا المشهد الإيراني في واحدة من أكثر لحظاته دلالة.
فتحول المليشيات التي صُممت لفرض النفوذ الإيراني خارج الحدود إلى أدوات لضبط الشارع الإيراني نفسه، مؤشر يكشف حجم القلق الذي يعتري بنية النظام وتماسك مؤسساته التقليدية.
هذا التحول -بحسب مراقبين- لا يحمل دلالة أمنية فحسب، بل يضرب في عمق السردية السياسية التي قام عليها النظام منذ 1979؛ إذ إن استعانة طهران بقوات أجنبية، من «الحشد الشعبي» العراقي إلى مقاتلي «فاطميون» الأفغان، توحي بأن مؤسسات الضبط التقليدية — الحرس الثوري والباسيج والشرطة — لم تعد قادرة وحدها على احتواء الضغوط الداخلية المتراكمة.
كما أن وجود عناصر لا تربطها بالمجتمع الإيراني أي وشائج لغوية أو اجتماعية، يعمق لدى الإيرانيين شعوراً متنامياً بأن الدولة تتعامل مع الداخل بعقلية «القوة المحتلة» لا السلطة الوطنية، وهو شعور قد لا يهدد صورة النظام فحسب، بل قد يعيد إنتاج موجات غضب أكثر حدة في مجتمع شديد الحساسية تجاه السيادة والكرامة الوطنية.
ضرب السردية
وإلى ذلك قال الخبير في الشأن الإيراني هاني سليمان، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن اعتماد النظام الإيراني على مليشيات غير إيرانية وأجنبية للقيام بمهام نوعية، بل ومهام أمنية داخلية، يعطي جملة من المؤشرات؛ الأول أن هناك إشكالية كبيرة في مسألة السيادة، فإن يستعين النظام بعناصر ليست لها أصول فارسية، فهذا يمس في مقتل السيادة التي يحاول دائماً أن يؤكد عليها، بشكل لا يتسق مع ما يروجه النظام دائماً من أنه قوي.
واعتبر الخبير في الشأن الإيراني، ذلك التطور بمثابة «تصدير ثورة عكسي»، مشيرًا إلى أن النظام الإيراني طوال العقود الماضية كان يصدر مليشيات للخارج، إلا أنه بات الآن يستوردها إلى الداخل لضبط إيقاع الاحتجاجات أو لضبط الأمن في الداخل الإيراني، في ظاهرة غير معهودة، تعكس أزمة حقيقية يعيشها النظام.
وأظهرت لقطات مصوّرة انتشار عناصر من «الحشد الشعبي» العراقي في شوارع طهران، وتشير مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي، تؤكدها عدة روايات محلية، إلى قيام عناصر من «الحشد الشعبي» بتفتيش المركبات عند حواجز أمنية في طهران ومدن أخرى، إلى جانب مشاركتهم في تنفيذ إجراءات مرتبطة بفرض قيود الحجاب الصارمة، ودوريات مشتركة مع قوات الأمن الإيرانية في الأحياء السكنية.
وأشار إلى أن اعتماد النظام الإيراني على عناصر أجنبية يعكس خللاً في بنية المؤسسات الأمنية نتيجة الضغوط والتحديات، سواء كانت داخلية أو خارجية، مما يكشف عن حالة من الارتباك الشديد في بنية النظام السياسي، وعجز في قدرة مؤسسات النظام التقليدية على أداء مهامها.
انعكاسات سلبية
وبحسب الخبير في الشأن الإيراني، فإن توظيف هذه المليشيات -التي صممت أساساً للعمل في الخارج- في الداخل الإيراني، سيخلق مشاكل مع الشعب الإيراني، وسيغير في مفاهيم الولاء والسيادة والمواطنة، وسيؤثر على ارتباط الشعب الإيراني بمبادئ الثورة أو الشعارات التي كان يرفعها النظام.
وأشار إلى أن المواطن الإيراني ينظر إلى هذه المليشيات نظرة سلبية جداً، مما سيزيد من الفجوة بين المجتمع والسلطة، مؤكدًا أن «الاستعانة بمليشيات خارجية لمواجهة احتجاجات أو لضبط الأمن ستقابل بحساسية مفرطة من قبل الشعب الإيراني».
حساسية قد تتطور إلى كرة ثلج تفضي في النهاية إلى عودة الاحتجاجات وبقوة، خاصة إذا شعر المواطن الإيراني أن هناك عناصر أجنبية هي التي تتحكم في مصيره أو هي التي تقمعه في الشارع، يضيف الخبير في الشأن الإيراني، مشيرًا إلى هذا أن ذلك قد يسرع من وتيرة الانفجار الشعبي.
ويمثل الانتشار الدائم لـ«الحشد الشعبي» في المدن الإيرانية تصعيداً لافتاً مقارنة بانتشاره السابق في العراق وسوريا، فيما يرى بعض الإيرانيين، خصوصاً ممن عاشوا حرب 1980–1988 مع العراق، أن وجود قوات عراقية في شوارع طهران يحمل دلالة رمزية عميقة.
وبحسب روايات محلية، فإن هذه القوات الأجنبية تعمل دون ارتباط اجتماعي أو لغوي بالمجتمع الإيراني، ما ينعكس -وفق السكان- في سلوك ميداني أكثر خشونة مقارنة بالقوات المحلية، التي ترتبط بعلاقات عائلية واجتماعية داخل المجتمع.
ويقول سكان محليون إن وجود هذه القوات يمنح المشهد الأمني طابعاً غير مألوف، حيث يصف أحد سكان طهران الوضع قائلاً: «في ليالٍ متتالية يوجد أشخاص عند الحاجز لا يتحدثون الفارسية، يرتدون زي الحشد الشعبي، ويتواصلون بالإشارات أو ببضع كلمات عربية وفارسية مكسّرة».
وحول انعكاس الاستعانة بتلك المليشيات في الداخل على دورها بالخارج، أكد أن هناك تحولاً في وظيفة هذه المليشيات (الحشد أو الفاطميون أو غيرها) لتصبح أدوات لضبط الداخل، مما سيؤثر حتماً على أدائها ومهامها في الخارج.
خسائر فادحة
وتفيد تقارير بأن الحرس الثوري الإيراني وقوات الشرطة تكبّدوا خسائر خلال الفترة الماضية نتيجة إصابات وانشقاقات وحالات وفاة، منذ اندلاع الهجمات الأولى في الحرب بالشرق الأوسط في 28 فبراير/شباط، ما دفع إلى الاستعانة بقوات خارجية لتعزيز الانتشار الأمني، بحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية.
وبحسب المصادر، وصلت وحدات عراقية بأعداد محدودة في الأيام الأخيرة من الحرب، تحت غطاء تقديم مساعدات إنسانية، لكنها انتقلت سريعاً إلى أداء أدوار أمنية تشمل نقاط التفتيش والدوريات الليلية والمشاركة في تجمعات حكومية داخل طهران.
ويرى مراقبون أن نشر هذه القوات داخل إيران يمثل انعكاساً معاكساً للرؤية الاستراتيجية التي صاغها قائد فيلق القدس السابق قاسم سليماني، الذي قُتل عام 2020 بضربة أمريكية بطائرة مسيّرة. فقد كان سليماني قد أسس «الحشد الشعبي» كأداة نفوذ إيرانية خارجية في العراق، في حين يتم توظيفه اليوم داخل الأراضي الإيرانية ذاتها.
كما أفادت تقارير غير مؤكدة رسمياً بانتشار مقاتلين من «فاطميون» الأفغان، وهي مليشيا أخرى مدعومة من الحرس الثوري، إلى جانب القوات العراقية، في وقت لم تعلن فيه وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية عن الدور الأمني لهذه التشكيلات الأجنبية.
ويقول أحد سكان طهران ممن يمرون يومياً عبر عدة نقاط تفتيش إن طبيعة الانتشار الأمني تغيرت جذرياً: «كان الأمر في السابق يقتصر على الباسيج، أما الآن فهناك عناصر بزي عسكري عربي واضح، ويتعاملون بحدة أكبر وكأن لا قيود عليهم، حتى الإيرانيون لا يعترضون».