سياسة

قضية خاشقجي.. إنعاش "نظرية المؤامرة"

الخميس 2018.10.18 11:36 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 13376قراءة
  • 0 تعليق
حسن المرزوقي

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر شهد العالم العربي والإسلامي جدالا واسعا أدّى إلى ظهور قطبين متضادين؛ يدعو أحدهما إلى الانفتاح على الآخر ومحاربة التطرف والغلو والإرهاب، بينما تبنّى الطرف الآخر الدعوة إلى مواجهة "الحرب الصليبية"، استنادا إلى تصريح للرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش حين قال عشية الحرب على العراق حين وصف تلك الحرب بـ"الحملة الصليبية في الحرب على الإرهاب"، واستغل تنظيم القاعدة حينها هذا التصريح لتجنيد المزيد من المتطرفين لمواجهة هذا "الغزو الصليبي"، في المقابل عملت جماعات الإسلام السياسي، وعلى رأسها "تنظيم الإخوان" الإرهابي إلى تهييج الشارع ضد كل من كان يدعو إلى تغليب العقل والحكمة للتعامل مع تبعات حادثة منهاتن الإرهابية، بل كانت هذه الجماعات تدعو إلى رص الصفوف بحسب زعمها ومواجهة هذا الغزو، في المقابل استغلت قناة الجزيرة علاقاتها الوثيقة مع قادة تنظيم القاعدة الإرهابي في بث بياناته التي كانت بمثابة شفرات يتم إرسالها لأعضاء التنظيم عبر فيديوهات للإرهابي أسامة بن لادن كانت تعرضها "الجزيرة" حصريا على شاشتها.

الرسالة التي نود أن نوجهها لبعض الساسة والإعلام الغربي أن هذا الخطاب المعادي الصادر عنكم اليوم تجاه المملكة في قضية خاشقجي، إنما سينتج عنه أن الكثير من العرب سيؤمنون بأن "نظرية المؤامرة" واقع وليست خيالا، وأن قوى التطرف تتلقى الدعم الإعلامي واللوجستي من بعض القوى الغربية التي لا تريد الخير لمجتمعاتنا

ومع تعاقب الأحداث كان قطب الاعتدال في سباق مع الزمن لتصحيح تلك الصورة السلبية التي خلّفتها أحداث 9/11 على العرب والمسلمين بشكل عام، واتُّهم قادة الاعتدال بأبشع الألقاب من رموز الإسلام السياسي ونُعتوا حينها بالخيانة والعمالة والخضوع لليهود والنصارى، وعانوا الأمرّين لإقناع الرأي العام العربي والإسلامي بأن خطاب الحوار والاعتدال والتسامح هو الأسلوب الأمثل والطريقة الأنجح في استعادة الحقوق التي يطالب بها العرب والمسلمون.

في المقابل واصل القطب المضاد الذي كانت تقوده إيران وميليشياتها كحزب الله، بالإضافة إلى عصابات "الإخوان" الإرهابية وعدد من جماعات القومجية والثورجية في المزايدة في حرصهم على مصالح العرب والمسلمين، وعملت "الجزيرة" حينها على تصنيف العرب كمحورين للمقاومة والاعتدال، وأفردت لمفتي الإرهاب القرضاوي منصة لبث فتاوى القتل والإرهاب عبر برنامجه "الشريعة والحياة".

تواصل هذا الصراع بين التطرف والاعتدال حتى ظهور ما سمّي بـ"الربيع العربي"، حيث جنت جماعات الإسلام السياسي حينها ثمار خطابات التحريض والكراهية وتهم التخوين والعمالة للحكومات الغربية في تهييج الشارع العربي، وتم تغليف كل ذلك بغلاف ممهور بشعارات خادعة تدعي الحرية والعدالة الاجتماعية، وشاهدنا جميعا حينها كيف تسابقت القوى الغربية من قيادات سياسية وشخصيات فكرية ومؤسسات إعلامية في دعم هذه الفوضى التي ذكّرتنا بتصريح أدلت به وزيرة الخارجية الأميركية "كونداليزا رايس" مطلع 2005 خلال حديث صحفي لها مع جريدة واشنطن بوست الأميركية حين أعلنت عن نية الولايات المتحدة نشر الديمقراطية بالعالم العربي والبدء بتشكيل مايُعرف بـ"الشرق الأوسط الجديد" عبر نشر "الفوضى الخلاقة".

وصدمت النخب والشباب العربي الذي كان طموحا بالتغيير والرفاهية حينها بذلك الدعم والحماس المنقطع النظير للغرب في الترويج لجماعات الإسلام السياسي، وطرحها كبديل مناسب من وجهة نظرها للأنظمة الحاكمة، وتكشف للجميع أن تلك الشعارات التي لطالما رددتها جماعات "الإخوان" و"الجهاد" و"الهجرة والتكفير" وغيرها من عصابات الإرهاب بشأن معاداة الغرب ومواجهة "الغزو الصليبي" ربما لم يصل صداها للغرب، وذلك مستبعد تماما لأن الجميع يعلم أن القوة الغربية بما تمتلكه من استخبارات وأجهزة أمنية ترصد كل شاردة وواردة وتعلم أن هذه الجماعات هي ذاتها التي كانت وما زالت تدعو إلى قتال الغرب وتتبنى خطابات الكراهية والتطرف والإرهاب، وهذه المعادلة الغريبة هي التي أحيت لشريحة كبيرة من المتابعين العرب الإيمان من جديد بنظرية المؤامرة التي كان ينظر لها الكثيرون بأنها عبارة عن أفكار رجعية وأوهام مبالغ في طرحها أو حتى مجرد مناقشتها.

وتابعنا كيف تواجد رموز "الإخوان" من أولئك الداعين إلى محاربة الإمبريالية الأمريكية، وكيف استضافهم أوباما ومستشاروه في قلب البيت الأبيض، وشاهدنا شعار "رابعة" الإرهابي يرتفع في وسط مقر الرئاسة الأمريكية، ليظهر للعرب أن من ينادي بمعاداة الغرب وقتالهم سيجد الترحيب والقبول، وسيحظى بمقابلة الساسة الأمريكان وأعضاء الكونغرس بشقيه من الشيوخ والنواب، وستفرد له شاشات الإعلام الأمريكي والغربي المساحة لمهاجمة الأنظمة العربية ونعتها بأبشع الأوصاف، كل ذلك بحجة حرية الإعلام ورعاية الديمقراطيات وحقوق الإنسان، ودون أي اعتبار لسجل تلك الشخصيات في نشر خطاب الكراهية والدعوة إلى ما يسمونه بجهاد الكفّار والمشركين.

واليوم نشاهد ذلك التلكؤ والتردد الغربي في دعم جهود مواجهة ميليشيات إيران، تلك الميلشيات التي تنادي في شعاراتها بالموت لأمريكا وتدعو لقتال الغرب، ولكن يفاجأ الجميع بأن هذا الغرب ذاته يصوت لقرار تمديد عمل لجنة خبراء الأمم المتحدة في مجلس حقوق الإنسان، والتي أصدرت تقريرا متحيزا لم يذكر دور إيران لا من قريب ولا من بعيد في نشر القتل والإرهاب والفوضى في اليمن.

وما نشهده اليوم من تبني عدد من الشخصيات السياسية والبرلمانية والمؤسسات الإعلامية في الغرب لتلك الأكاذيب التي تنشرها قناة الجزيرة والأبواق الإخونجية والمصادر التركية، حول ما يتعلق بقضية اختفاء المواطن السعودي جمال خاشقجي، وترديدها لذلك السيناريو المشبوه في اتهام المملكة بأنها المسؤولة عن هذا التغيّب لخاشقجي، إنما يؤكد لنا من جديد ضبابية موقف العديد من القوى في السياسة والإعلام الغربي وجديتها في محاربة التطرف ودعم قوى الاعتدال في الشرق الأوسط، وإلّا فما هو تفسير تلك الهجمة الشرسة على القيادة السعودية وتسليم الإعلام الغربي بنشر الأكاذيب والشائعات دون التحقق منها، إلى درجة أننا فقدنا الثقة بمؤسسات إعلامية كواشنطن بوست ونيويورك تايمز والـCNN ورويترز، وهي التي كنّا نعدّها رصينة وتمتلك مصداقية عالية في تناول الخبر، ها هي اليوم تنشر وتحذف بعد أن قادها الإعلام الإخونجي نحو مستنقع الكذب والتجنّي وإشاعة خطاب الكراهية بين المتابعين، بل تعدى الأمر أن يخرج علينا السيناتور الأمريكي ليندسي جراهام بكل وقاحة مطالبا بتنحي ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بحجة أنه أمر بقتل خاشقجي دون أي دليل.

الرسالة التي نود أن نوجهها لبعض الساسة والإعلام الغربي أن هذا الخطاب المعادي الصادر عنكم اليوم تجاه المملكة في قضية خاشقجي، إنما سينتج عنه أن الكثير من العرب سيؤمنون بأن "نظرية المؤامرة" واقع وليست خيالا، وأن قوى التطرف تتلقى الدعم الإعلامي واللوجستي من بعض القوى الغربية التي لا تريد الخير لمجتمعاتنا، ولكن في المقابل نعود لنؤكد للجميع أننا ما زلنا نؤمن بأن التسامح ونشر قيم التعايش المشترك والحزم في مواجهة خطاب الكراهية هي السبيل الأمثل لنشر السلام في العالم، وإن ما نشاهده اليوم من تبني بعض المؤسسات الغربية لطرح جماعة "الإخوان الإرهابية" في الكراهية لا يمثل غالبية المؤسسات الغربية، ومازال لدينا الأمل الكبير بأن هناك الكثير من العقلاء الذين يؤمنون بضرورة مواجهة إيران وميلشياتها في اليمن ولبنان والعراق، ومواجهة تنظيمات داعش والقاعدة والإخوان الإرهابيين أينما وجدوا، لينعم العالم أجمع وشعوبه على اختلاف دياناتهم وثقافاتهم وانتماءاتهم بالأمن والاستقرار.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات