ثقافة

"روائع آثار السعودية" بين "لوفر باريس 2010" و"لوفر أبوظبي 2018"

الأربعاء 2018.11.7 11:48 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 247قراءة
  • 0 تعليق
عبدالرحمن الشبيلي

لا يبتعد عن الحقيقة كثيراً القول إنه قبل عام 2010 عندما نظّم متحف «اللوفر» في باريس معرض «روائع آثار السعودية»، من قِبَل الهيئة السعودية للسياحة والتراث الوطني، وكاتب هذا المقال من حضوره آنذاك، لم يكن الأوروبي يتصوّر أن في الجزيرة العربية، وفي باطن صحاريها وتحت مناخها القاسي، مخازن كبرى للآثار يعود تاريخها إلى آلاف السنين، وأن الحفريّات التي شارك فيها مع الخبراء الأثريين المحليين بعثات دولية وجامعية، قد استخرجت من هذا المخزون والمتحجّرات مئات الشواهد على العمق الحضاري للجزيرة العربية عبر القرون، وعلى مرور هجرات بشرية قديمة وتواصل حضاري معها، خصوصاً عبر الساحل الأفريقي، وكان من نتائجها ما نشرته هذا الشهر مجلة Nature Ecology & Evolution العلميّة، وما أشار إليه آخر التقارير الصادرة عن هيئة السياحة والآثار في الرياض، من أنها مسحت نحو 110 آلاف موقع أثريّ، بمشاركة 44 فرقة أثريّة سعودية وعالميّة.

قبل 5 عقود، كانت النظرة المجتمعيّة إلى الآثار في السعودية تحوطها تحفظات دينية من منظور منغلق، حرَم الباحثين من استكمال دراساتهم التاريخية، ومَنَع النشء من مشاهدة حضارات بلده وآثارها والتعرف عليها، وحرّم تنظيم الرحلات السياحية إليها

اليوم، يستضيف متحف «اللوفر» الجديد في دولة الإمارات، أحدث نسخة مطوّرة من «روائع الآثار السعودية»، بنحو 500 قطعة أثريّة أساسيّة نادرة، مُضافاً إليها أندر ما جدّ اكتشافه خلال بعثات التنقيب، من العصر الحجري القديم، إلى عصور ما قبل الإسلام، ثم حضارات الممالك العربية، المبكّرة والوسيطة والمتأخّرة، مروراً بالفترة الإسلاميّة، حتى نشأة الدولة السعودية منذ نحو 300 عام.

تنقّل هذا المعرض في 8 سنوات، زائراً 10 دول أوروبيّة وأميركيّة وآسيويّة، منها متحف الـ«إرميتاج» في روسيا، ومتحف «ساكلر» بواشنطن، والمتحف الوطني في العاصمة الصينيّة بكين، بهدف التذكير بأن هذه الجزيرة التي شَرّفت بظهور خاتم الأديان، كانت مقرّ استيطان بشري وحضارات وممالك وديانات سماويّة، وفق ما أطلق عليها الرحّالة والمؤرّخ البريطاني فيلبي، وعدد من المستكشفين الغربيين الذين سبقوه.

في العام الماضي، كان كاتب هذا المقال على موعد مع زيارة لا تُمحي من الذاكرة لقرية الفاو (كاهل) التاريخيّة، التي كانت مطمورة لقرون خلت في عمق صحراء الربع الخالي، حتى رفعت عنها ركام الطين والرمل قبل 3 عقود بعثة من جامعة الملك سعود، بانتظار كشف المزيد منها، ولم يكن يخطر على بال أمرئ أن تلك الصحارى الجرداء يمكن أن يسكنها الإنسان، فإذا به يكتشف أنها مستودع لكميّات هائلة من الماء، مثلما أنها مخازن آثار لأقوام سادوا ثم بادوا، فمملكة كِندة العربيّة (200 ق.م) كانت ولقرون تتخذ من الفاو عاصمة لها، تسود منها معظم أنحاء الجزيرة العربية، من اليمن جنوباً، وسواحل عُمان والبحرين شرقاً، إلى نجد ودُومَة الجندل شمالاً، كما نوهت بذلك كتابات الهمْداني ورحلات فيلبي الاستكشافية المبكرة. والربع الخالي (الجزء الجنوبي الشرقي من شبه الجزيرة العربية) اسم ابتكره الرحالة الأجانب الذين اجتازوه في مطلع القرن العشرين مثل توماس وفيلبي وثيسيجر (مبارك بن لندن)، وكان يعرف من قبل باسم «الرملة» في كتب الجغرافيين العرب.

قبل 5 عقود، كانت النظرة المجتمعيّة إلى الآثار في السعودية تحوطها تحفظات دينية من منظور منغلق، حرَم الباحثين من استكمال دراساتهم التاريخية، ومَنَع النشء من مشاهدة حضارات بلده وآثارها والتعرف عليها، وحرّم تنظيم الرحلات السياحية إليها، فازداد الجهل بها، وأحجم الاقتصاد الوطني عن الاستثمار فيها، وعزف الإعلام عن التعريف بها، فظل الناشئة والباحثون والزائرون لا يعرفون من الآثار إلا ما يتصل بالمدينتين المقدّستين، بالإضافة إلى معلومات غامضة عن مدائن صالح وَدُومَة الجندل والأخدود... ونحوها.

وكانت الآثار بالإضافة إلى ذلك، تحيط بها تحفظات بيروقراطية ترى أن المؤسسات التنفيذية لم تكن جاهزة لإكمال عمليات التنقيب، وخشيت عليها من سرقة ما تعثر عليه، فظنت أن حُسن الحفاظ على الآثار يتحقق بالإبقاء عليها في باطن الأرض.

اليوم، أصبحت الآثار والتراث المعماري الوطني يحظيان في منطقة الخليج بمكانة اجتماعية ورسمية عالية المنهجية والمسؤولية العلمية، وفرق التنقيب تطرق البلاد من أدناها إلى أقاصيها، في اليابسة وتحت مياه الخليج العربي والبحر الأحمر، بحثاً واكتشافاً وتنقيباً، والمتاحف تقوم بواجبها في الحفظ والتوثيق والصيانة، والأبواب تُشرّع للمواطن والسائح ورجال الأعمال، جاعلة من الآثار قيمة مضافة للسياحة وفي الاقتصاد الوطني، وإحدى أذرع التبادل الثقافي الناعم مع الشعوب، ومصدراً ثريّاً من مصادر المعلومات التاريخية والحضارية العلمية في الجزيرة العربية.

جميل أن يُذكر أن متحف «اللوفر» بجزيرة السعديّات في أبوظبي، الذي يكمل عامه الأول بعد افتتاحه في مثل هذا الأسبوع من العام الماضي، هو نفسه تحفة معمارية فريدة تجلت فيها روعة التصميم والتنفيذ، وقد أُقيم بموجب اتفاق ثقافي إماراتي - فرنسي، ليكون حلقة وصل إبداعية بين الفنون الشرقية والغربية، مثلما أن «معهد العالم العربي» في باريس قناة تقارب معرفي بين فرنسا والشعوب العربية، وعلى المؤسسات الثقافية في الجانبين أن تستثمر المعهد والمتحف بما يحقق المقاصد الفكرية التواصلية التي أنشئ من أجلها.

نقلا عن "الشرق الأوسط"

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات