سياسة

الرسائل السياسية والاستراتيجية في زيارة محمد بن سلمان لفرنسا

الخميس 2018.4.12 12:49 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 565قراءة
  • 0 تعليق
د.طارق فهمي

لم يَزُر الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، فرنسا فقط، بل زار مجازاً أيضاً دول الاتحاد الأوروبي، خصوصاً أن فرنسا باتت لا تمثّل نفسها فقط، بل تمثّل الاتحاد الأوروبي بأكمله، وأنها ستقود قاطرة الاتحاد الأوروبي مع ألمانيا بعد الخروج البريطاني من الاتحاد، ومن ثم كان حرص الأمير محمد بن سلمان على أن يتوج زياراته الخارجية، التي بدأت بمصر ومرت بالولايات المتحدة، وانتهت بفرنسا، خصوصاً أن العلاقات الفرنسية السعودية تاريخية بمعنى الكلمة، وتحكمها روابط سياسية وتاريخية كبيرة، وسبق أن زار جلالة الملك سلمان فرنسا، وتربطه بالدوائر الفرنسية على مختلف درجاتها أواصر جيدة، وهو الأمر الذي دفع الأمير محمد بن سلمان إلى استثماره بذكاء الأمير الواعد، الذي يمتلك كثيراً من المقومات والمعطيات، ليقوم بتطوير علاقات السعودية إقليمياً ودولياً.

 السعودية تدخل مرحلة مؤثرة وفعالة في الفترة المقبلة والخاصة بدورها الإقليمي، وكذلك باعتبارها تمثّل العالمين العربي والإسلامي، ورسالتها الدبلوماسية والسياسية ستنطلق بالأساس من خيارات عربية مهمة إلى العالم بأجمعه .

زيارة فرنسا مهمة، لأن فرنسا ليست دولة عابرة، بل هي دولة كبيرة في نطاقها الأوروبي وخارجه، وتملك مقومات دبلوماسية عديدة للتحرك في الملفات العربية والإقليمية، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي، التي نجحت - ورغم التدخل الأمريكي والإسرائيلي لتخريب أعمال مؤتمر "باريس 1" - في إعادة تدوير وجهة النظر العربية عامة والفلسطينية تجاه إمكانية توسيع دائرة الوساطة الدولية بين الجانبين العربي والإسرائيلي، وعدم اقتصار ذلك على الجانب الأمريكي الذي بات وسيطاً غير محايد، ومنحازاً للجانب الإسرائيلي، وهو ما دفع الرئيس محمود عباس إلى دعوة القوى الدولية، وعلى رأسها روسيا وفرنسا، إلى التدخل ومحاولة لعب دور جديد في التسوية العربية الإسرائيلية، وفي الملف السوري ما زال الجانب الفرنسي يؤكد حضوره السياسي والاستراتيجي، ولعل مواقفه في مجلس الأمن مؤخراً بشأن التعامل مع تبعات الاتهام الأمريكي قوات النظام السوري باستخدام السلاح الكيماوي؛ ما يؤكد أن فرنسا في تحركاتها لا تقل تأثيراً وتحركاً عن الجانبين الأمريكي والروسي، وهو ما ينطبق وبوضوح على الملف الليبي، وأمن الخليج، والتعامل مع مهددات الأمن في الشرق الأوسط، إضافة إلى دورها الراهن في التعامل مع تداعيات الملف النووي الإيراني بكل تفاصيله المعقدة، الذي لا يتوقف فقط عند مراجعة الاتفاق بأكمله فقط، أو الضغط على إيران لوقف البرنامج الصاروخي تأسياً بحالة كوريا الشمالية.

ستطرح مرحلة ما بعد تطوير وتنمية العلاقات السعودية الفرنسية مرحلة جديدة لإمكانية أن تسهم العلاقات في مجاليها السياسي والاستراتيجي، وعبر اللجان ومؤسسات التعاون المشترك لدفع مجالات التعاون في مجالات الثقافة والفنون، وهي مجالات تتميز بها فرنسا باعتبارها الدولة التي تملك تاريخاً وحضارة، ووجوداً وتأثيراً في العالم، وبالتالي فالقضية ليست تقديم الدعم الفرنسي للشقيقة السعودية في مجال يبدو أنه جديد، وغير مطروق في العالم العربي بأكمله، وإنما محاولة التأكيد على ترابط واندماج الثقافة العربية، وروافدها الكبيرة، ومعطياتها الأكثر تأثيراً في العالم بنظيرتها في الغرب، حيث الثقافات المتعددة، والأيديولوجيات السياسية والفكرية التي تتشابه مع مثيلتها مع التباين في الخصوصية في عالمنا العربي، فالشورى هي الديمقراطية، وممارسة السياسة بكل صنوفها وتصنيفاتها هي وسيلة مارستها الأنظمة والشعوب العربية، مع الفارق الثقافي في الموروث، وليس مطلوباً منا كدول وشعوب أن نحاكي ما هو قائم في الغرب.

تظل الارتباطات التاريخية بين السعودية وفرنسا مدخلاً حقيقياً لتأثير كبير قادم للشقيقة السعودية في دوائر النفوذ الأوروبية، خصوصاً أن فرنسا ستكون من الآن فصاعداً المحرك الرئيسي للسياسات الأوروبية بأكملها، وستكون القوة البالغة التأثير في قضايا إقليمية عربية ودولية، وهو ما برز في الآونة الأخيرة، وسيتعمق بصورة كبيرة في قادم الأيام، خصوصاً أن الاتحاد الأوروبي سيتماسك بعد الخروج البريطاني الرسمي وبصورة كبيرة، وسيلتف حول مؤسساته وحكوماته، من أجل بناء مواقف أوروبية واحدة بعد الإعصار البريطاني الذي كاد يعصف بالاستقرار التاريخي في الاتحاد الأوروبي لسنوات طويلة.

يدرك الأمير محمد بن سلمان خصوصية الحالة الفرنسية ودورها المتنامي، وقدرة فرنسا على أن تكون كياناً كبيراً مؤثراً في السنوات المقبلة، ليس فقط من خلال الحسابات السياسية والاستراتيجية التي تملكها فرنسا، وتستطيع أن تكون منطلقاً لحضور فرنسي بالغ الأهمية والتأثير في الشرق الأوسطـ، بل وإنما أيضاً في منطقة الخليج العربي، ومن خلال دور تاريخي بارز ومتسع للعلاقات، وهو ما يتفهمه الجانب الفرنسي جيداً ويدرك أن السعودية دولة كبيرة وذات ثقل عربي وإسلامي ودولي كبير، وتطوير وتنمية العلاقات معها سيعد مدخلاً لعلاقات أكثر تأثيراً وحضوراً في الملفات العربية المختلفة خاصة، وأن الدور الفرنسي ظل لسنوات طويلة حاضراً بقوة، سواء في المنطقة المغاربية أو في سوريا ولبنان، وهو ما يعطي الفرصة للدول العربية لإحداث توازن في نمط العلاقات العربية الدولية، وعدم الاعتماد على العلاقات مع الولايات المتحدة فقط، فالعالم اليوم يعتمد على استراتيجيات الندية في العلاقات، وتوظيف الإمكانيات والقدرات الذاتية في تحقيق السياسات، وتطوير وسائل التعامل السياسي والاستراتيجي، كما أن صنع السياسات في عالم اليوم يتطلب قدرات ومناورات وتكتيكات جديدة، وهو ما تطبقه السعودية في الوقت الراهن، وعبر مخطط متكامل.

يتحرك الأمير محمد بن سلمان من منظور ونسق عقيدي فكري متسع، مؤمناً بقدرة السعودية على تحقيق التوازن في العلاقات في الإقليم وخارجه، وهو ما سيقر بتشكل منظومة جديدة من العلاقات السعودية الدولية، ولن يقتصر ذلك على تعدد مصادر التأثير أو إبرام صفقات تسليح، وإنما اللحاق بأحدث أنماط التأثير السياسي والثقافي والحضاري، وبالتالي ليست القضية في قيام الجانب الفرنسي في تقديم خبراته في إنشاء دار أوبرا، أو مراكز ثقافية أو غيرها، وإنما النظر إلى المخطط السعودي في الحصول على التكنولوجيا المتقدمة، وتطويعها وطنياً، ووفقاً لحسابات تم التخطيط لها وبصورة متميزة.

جنباً إلى جنب التحركات السعودية تجاه أوروبا؛ أقدمت الرياض للحصول على خطوة إنشاء مفاعل نووي لأغراض سلمية، بهدف تطوير الإمكانيات والقدرات السعودية، ومحاولة توظيف واستثمار المعطيات الكبيرة للسعودية، وهي خطوة ستكون لها تداعيات كبيرة، خصوصاً أن دولة الإمارات العربية الشقيقة كانت قد سبقت بتوقيع اتفاق مع الولايات المتحدة في عام 2009 لبناء مفاعل لأغراض سلمية، والرسالة أن منطقة الخليج العربي تتغير، وجزء من تغيرها مرتبط بحجم التحديات الكبيرة التي تحيط بأركان النظام الإقليمي العربي بأكمله، وهو ما يتطلب مراجعة السياسات الكلاسيكية، وأنماط الممارسات التقليدية لمجالات أكثر حضوراً وتأثيراً، وهو ما تدركه القيادات الشابة الواعدة في منطقة الخليج العربي؛ حيث دخلت في صراع مع الزمن لإعادة صياغة مصالحها واستراتيجيتها بصورة جديدة وبشكل عصري.

إن نتائج زيارة الأمير محمد بن سلمان لفرنسا مبشرة، وتمضي في سياق انفتاح سعودي كامل على العالم وليس فقط دولة بعينها، ومن ثم فإن السعودية تدخل مرحلة مؤثرة وفعالة في الفترة المقبلة والخاصة بدورها الإقليمي، وكذلك باعتبارها تمثل العالمين العربي والإسلامي، ورسالتها الدبلوماسية والسياسية ستنطلق بالأساس من خيارات عربية مهمة إلى العالم بأجمعه.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات