سياسة

العولمة الأمنية في القرن الأفريقي

الإثنين 2018.2.19 09:23 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 541قراءة
  • 0 تعليق
خالد رستم

تتنافس الدول الغربية وبعض دول شرق آسيا على مواقع استراتيجية في القرن الأفريقي لما لهذا الموقع من أهمية كبيرة في السياسة الدولية، ورغم التحديات التي تمر على هذا الموقع وما تعاني منه منطقة ودول القرن الأفريقي ومنها الصومال وجيبوتي والدول المطلة على البحر الأحمر، فإن التنافس يتزايد بين الدول الكبرى من خلال التسابق نحو هذه الدول بغية إقامة قواعد عسكرية في القرن الأفريقي وبالقرب من مضيق باب المندب. 

وفقاً لمركز مقديشو للبحوث والدراسات تجني جيبوتي نحو ربع مليار دولار سنوياً مقابل تأجير أراضٍ لقواعد عسكرية، وتبلغ قيمة التأجير السنوية للصين مئة مليون، واليابان ما يقارب خمسة وثلاثين مليوناً ولفرنسا القاعدة الأقدم نحو ثلاثين مليوناً عدا عن دول أخرى لها قواعد عسكرية فيها مثل ألمانيا وإسبانيا

ولعل الاهتمام الدولي بهذه المنطقة يعود لاعتبارات عديدة، أولها موقعها المتميز على الخارطة الجيوسياسية وما تحظى به من جانب القوى الدولية الفاعلة في النظام الدولي وبشكل مختلف عما كانت تؤول إليه السياسة الدولية أيام الحرب الباردة، وهذه المنطقة تتمتع بمنافذ بحرية متميزة سواء كانت في البحر الأحمر أو بموقع خليج عدن والمحيط الهندي، وهذه الطرق بمثابة شريان حيوي لنقل الطاقة النفطية من دول الخليج العربي إلى دول أوروبا والولايات المتحدة، وظلت تلك الدول المستفيدة من الممرات البحرية على تواصل بحركة الملاحة البحرية والتجارية ولم تتوقف رغم ما كان يعصف بمنطقة القرن الأفريقي من أزمات سياسية وعرقية واقتصادية وأمنية، وكل دولة تسعى إلى أخذ زمام المبادرة بهدف إيجاد حضور لها خشية الانفجار الكبير في هذه البقعة التي تتزايد فيها القواعد العسكرية وحدوث هزات أمنية تؤثر على تلك الدول المطلة على باب المندب.

تعبر من مضيق باب المندب سنوياً نحو 12 مليون حاوية من البضائع، بالإضافة إلى ناقلات النفط، ويعد أحد أهم منافذ التجارة الدولية، ولسنوات خلت كانت المجموعات العسكرية القادمة من عدة بلدان أوروبية وآسيوية تعمل على ملاحقة الإرهابيين ورصد بؤر التوتر في أفريقيا ودول الشرق الأوسط بما فيه ضبط ومواجهة قراصنة البحر، لذلك ثمة عوامل جغرافية أهَّلتها لأن تكون ذات أهمية، منها إطلالتها على مضيق باب المندب أحد الممرات الأكثر اكتظاظاً بحركة الملاحة، حيث يستخدم الميناء كنقطة انطلاق الأساطيل الأجنبية المنتشرة في المنطقة لمراقبة خليج عدن وحماية الممر المائي من عمليات القرصنة، عدا عن الصراع المتأزم في اليمن خلال السنوات المنصرمة، وذلك في أعقاب التمرد الذي قام به الانقلابيون الحوثيون ومحاولة إيران الداعمة للانقلاب وما يتمتع به من ثقل وأهمية كبرى لهذا الممر، ما دفع دولة مثل الصين للدخول على خط التنافس الأمريكي الأوروبي، في ظل عولمة أمنية واسعة وشديدة التأثير والمنافسة.

وتعد جيبوتي متعددة العرقيات واللغات، وتستوعب قواعد أجنبية ضمن اتفاقيات عسكرية ثنائية وتحيط بها دول مجاورة تتعرض لأعمال إرهابية، مثل الصومال وجنوب السودان واليمن.. وتقع ضمن القرن الأفريقي على الساحل الشرقي للقارة السمراء، ويعد الجفاف من التحديات الرئيسية التي تعانيها هذه المنطقة الحيوية من العالم، وعلى الرغم من مساحتها الصغيرة، فإن لها أهمية محورية، حيث يدخل خليج توجورة عمق البر الجيبوتي لمسافة 61 كم، لتمثل منطقة آمنة للإبحار البحر الأحمر، تعبر فيها أهم الصادرات والواردات العالمية، ما زاد من أهميتها كونها من المحاور الرئيسية للتجارة العالمية، فأكثر من ثمانين بالمئة من السلع التي تستوردها جارتها إثيوبيا يتم إفراغها في ميناء دوراليه، الذي يعد من أكبر موانئ المياه العميقة في شرق أفريقيا.

وهناك قاعدة عسكرية فرنسية داخل أسوار ضخمة وتعود إلى حقبة استعمارية أيام الاحتلال الفرنسي لجيبوتي، قبل قرابة قرن من الزمن، كما بدأت أمريكا بالتحرك بعد عام 2000 م، ومع بداية الألفية الثالثة بإقامة قاعدة عسكرية داخل جيبوتي، وتمتد القاعدة الأمريكية ومركزها في ضاحية أمولييه بجوار سور مطار جيبوتي بطول نحو أربعة آلاف متر وفيها مدرج لانطلاق الطائرات الحربية والمروحيات وعدد من الجنود ومدنيين أجانب، ليصل العدد إلى قرابة أربعة آلاف من العاملين في القاعدة، وعند انتهاء زمن عقد القاعدة العسكرية، قام جون كيري، وزير خارجية أمريكا الأسبق، وفي نهاية رئاسة أوباما، بزيارة إلى جيبوتي واجتمع مع المسؤولين فيها، وكانت القاعدة مستأجرة من جيبوتي بمبلغ خمسة وعشرين مليون دولار وقد انتهى العقد الزمني، وفاوض كيري المسؤولين في جيبوتي على توقيع عقد جديد، وزادت واشنطن من قيمة العقد لأهمية القاعدة كونها مقابل مضيق باب المندب البحري المهم، وتمت الزيادة بمبلغ ثمانية وثلاثين مليون دولار، ليصبح استئجار القاعدة ثلاثة وستين مليوناً.

وبدأت الصين في العام الماضي 2017م بإنشاء قاعدة لها على بُعد عدة كيلومترات من القاعدة الأمريكية، وتقع قطعة الأرض التي عمدت الصين إلى إقامتها قاعدة لها في منطقة تاجورة جنوب جيبوتي على بُعد عشرة كيلومترات من مقر القاعدة الأمريكية، وتبلغ مساحة القاعدة الصينية نحو ثمانين فداناً، ويزداد قلق الولايات المتحدة بزيادة الاستثمارات الصينية الضخمة المتدفقة على هذا البلد، باعتباره منفذاً بحرياً متميزاً لدول أفريقيا الوسطى.

 ويقول مسؤول جيبوتي: ومع ذلك ستكون القاعدة الصينية أقل حجماً من قاعدة ليمونييه، لكن قيمة تأجير أرض القاعدة الصينية أكثر من القيمة التي تسددها الإدارة الأمريكية عن قاعدتها، والصين تعتزم ضخ استثمارات جديدة في هذه المنطقة تبلغ أكثر من ستين ملياراً، بينما تسعى اليابان إلى افتتاح مشروعات إضافية تصل قيمتها إلى نحو ثلاثين مليار دولار.

ووفقاً لمركز مقديشو للبحوث والدراسات، تجني جيبوتي نحو ربع مليار دولار سنوياً مقابل تأجير أراضٍ لقواعد عسكرية، وتبلغ قيمة التأجير السنوية للصين مئة مليون واليابان ما يقارب خمسة وثلاثين مليوناً ولفرنسا القاعدة الأقدم نحو ثلاثين مليوناً عدا عن دول أخرى لها قواعد عسكرية فيها مثل ألمانيا وإسبانيا، مع تقديم استثمارات ومساعدات تنموية والقيام بمشروعات اقتصادية لتنمية دول القرن الأفريقي وبلدان وسط القارة انطلاقاً من جيبوتي.

ولم يغب الاتحاد الأوروبي عن تنافسه ووجوده عسكرياً في المنطقة، وقد شكلت بعض دول الاتحاد الأوروبي قوة عسكرية مشتركة أطلق عليها العملية الأوروبية المشتركة لمكافحة قراصنة البحار لتطويق جرائم القراصنة في مضيق باب المندب، ومراقبة حركة الملاحة، وينتشر جنود من ثماني دول أوروبية على السواحل، هي ألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا واليونان وهولندا وبريطانيا والسويد.

وفي شهر كانون أول عام 2016م، بدأت مباحثات بين القيادتين العسكريتين في كل من جيبوتي والسعودية تمخضت عن آلية عمل أمنية عسكرية تتضمن استضافة جيبوتي لقاعدة عسكرية سعودية على الساحل الجيبوتي، وشجعت بدورها جيبوتي أن يكون للمملكة ولأي دولة عربية وجود وانتشار عسكري فيها نظراً لما تتعرض له المنطقة من مخاطر وتحديات لوجستية في القرن الأفريقي، وتم التوقيع على عدة اتفاقيات عسكرية برية وبحرية وجوية.

وعلى هامش مفاجآت الوجود التركي في السودان، أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يوم 25 كانون أول عام 2017م في الخرطوم، أن السودان خصص جزيرة سواكن الواقعة في البحر الأحمر شرقي السودان لتركيا كي تتولى إعادة تأهيلها وإدارتها لفترة زمنية لم يحددها، واستخدمت الدولة العثمانية جزيرة سواكن مركزاً لبحريتها، وضم الميناء مقر الحاكم العثماني لمنطقة جنوب البحر الأحمر بين عامي 1821م و1885م الأمر الذي يعزز الشكوك حول نية تركيا إنشاء قاعدة عسكرية على الجزيرة الواقعة على حدود حلايب وشلاتين، وفي اليوم الثاني من الزيارة عُقد اجتماع في العاصمة السودانية بحضور رئيس أركان الجيش التركي ونظيريه السوداني والقطري، وقد جرى بحث القضايا المتعلقة بدعم الجيش السوداني وتطوير دفاعاته وكان الاجتماع بمثابة مجلس حرب لوضع ترتيبات تركية قطرية مشتركة مع الخرطوم لمواجهة دول المنطقة التي تقف ضد الإرهاب.

وبصرف النظر عن كون تركيا دولة علمانية أو إسلامية وهي التي دائماً تحلم بالسيطرة على دول الوطن العربي، وتتحرك بشكل يثير المشاكل ويؤلب المواقف بين الدول العربية، مستفيدة من الأجواء المتوترة، وتركيا التي اغتصبت لواء إسكندرون، قد بدأت سياسة ناعمة مع العرب وخاصة مع سوريا، بعد أن يئست من عملية انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي، وحافظت على علاقات حميمة مع الكيان الصهيوني، وتبدو أنها مع غزة المحاصرة ومع الصومال التي تتعرض إلى حالات جفاف وجوع وتجزئة لتكسب وجوداً في باب المندب، وبانت سياسة المطامع بعد الأحداث السورية، إذ قامت ببناء مخيم للاجئين السوريين حتى قبل أن ينتقل سوري واحد إلى الجانب التركي متذرعة بتقديم خدمات إنسانية.

الرئيس التركي المغرور يحمل نزعات ميراث العثمنة، وقد تم تدشين قاعدة عسكرية بحرية في الصومال في آب عام 2017م، وهذه القاعدة ليست الأولى لتركيا في الشرق الأفريقي، وهي ثاني قاعدة لها خارج أراضيها بعد القاعدة العسكرية في قطر، والتي تمثل تهديداً مباشراً لدول المنطقة ولأن تركيا تعمل في القرن الأفريقي بالتنسيق التام مع القوى الإرهابية في الوقت الذي أضحت الصومال فريسة للمطامع، وقد استغل أردوغان غياب العرب عنها مما يعني أن هاتين القاعدتين تشكلان تهديداً مباشراً للدول المطلة على البحر الأحمر وكذا قناة السويس التي تعد من أبرز الممرات الملاحية في العالم وركيزة يعتمد عليها الاقتصاد المصري.

أردوغان في أول زيارة قام بها رئيس تركي للسودان قال: إن تركيا حصلت بصفة مؤقتة على حق استغلال جزيرة سواكن حتى يمكنها إعادة بناء المنطقة كموقع سياحي ونقطة ترانزيت للحجاج المسافرين إلى مكة عن طريق البحر الأحمر، وصفقة سواكن واحدة من عدة صفقات تم الاتفاق عليها مع السودان تبلغ قيمتها الإجمالية 650 مليون دولار، وكانت الولايات المتحدة قد رفعت في تشرين الأول الماضي عقوبات كانت تفرضها على السودان الذي يسعى الآن لجذب الاستثمارات الدولية.

تركيا ستعيد بناء ميناء متهدم يرجع إلى أيام الإمبراطورية العثمانية على الساحل السوداني من البحر الأحمر وستقوم ببناء حوض بحري لصيانة السفن المدنية والعسكرية، ويأتي هذا التطور في وقت تعمل فيه أنقرة على توسيع روابطها العسكرية والاقتصادية في القارة الأفريقية، ما تسبب في ترك الساحة للعديد من القوى الداعمة للإرهاب، وبخاصة أن قطر استخدمت خلال السنوات المنصرمة في القارة الأفريقية سلاح المال لبسط نفوذها وخلق حضور لها من خلال ارتباط الدوحة بالجماعات الإرهابية والحركات المتمردة، وهو الأمر الذي جعل غالبية المراقبين ينظرون بكثير من التوجس والريبة للحضور القطري المتنامي في القارة السمراء، حيث لا تكاد تخلو دولة أفريقية من وجود قطري ظاهره الاستثمار وباطنه زرع بذور الفوضى والفتنة وعدم الاستقرار، لذلك يتطلب من الدول العربية الواقعة في القرن الأفريقي والمطلة على البحر الأحمر التحرك السياسي وتوسيع إطار عمليات الاستثمار الاقتصادي والتنمية في دول القارة ودول القرن الأفريقي ومحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه على صعيد هذه القارة.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات