معقل الانفصاليين في مالي.. كيدال مفتاح باماكو (خبراء)
حين رفع مسلحون راياتهم فوق حصن كيدال، بدا وكأن المدينة طوت في ساعات عقدا ونصف العقد من تاريخها العاصف، وهي معقل الانفصاليين الذي لم يهدأ.
وكيدال الواقعة في شمالي مالي تعد «مفتاح» فك الحصار عن باماكو، العاصمة التي يطوقها، منذ 25 أبريل/نيسان الماضي، إرهابيو «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» المرتبطة بـ«القاعدة»، وانفصاليو «جبهة تحرير أزواد».
مدينة يقول عنها المحلل السياسي في مالي بابا كوني إنها «ذات مزاج صعب ومتقلب، وهي التي ظلت لأكثر من عقد ونصف العقد تنتقل بين المتمردين والحكومة، ما يجعلها منطقة رمادية غالبا ما تخضع للطرف الذي يسيطر عليها».
ويوضح كوني، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن الغارات التي يشنها جيش مالي على المدينة تؤكد أن استعادتها تشكل محطة مهمة على طريق حل الأزمة المزمنة، لأن خطوة مماثلة من شأنها أن تضعف صفوف المسلحين وتسلبهم ما يعتبرونه انتصارا لهم ويستخدمونه حجة للتجنيد والاستقطاب».
وليل الجمعة، شنّ الجيش المالي غارات جوية ليلا على مدينة كيدال، وقال ضابط في مركز القيادة التابع للجيش في مدينة موبتي (وسط) لوكالة فرانس برس: «نضرب أهدافا محدّدة. لدينا استراتيجيتنا، وخلال الأيام المقبلة ستتكثف الضربات».
من جهته، أفاد شاهد من كيدال -طلب عدم كشف هويته- بوقوع نحو أربع غارات جوية ليلية تسبّبت بأضرار.
وأوضح الشاهد لوكالة فرانس برس، أن منزلا قرب سوق قديم دُمّر، فيما خلّفت غارة أخرى حفرة داخل الساحة الواسعة لمقر الحاكم في كيدال.
وفي 25 و26 أبريل/نيسان الماضي، شنّت «جبهة تحرير أزواد» و«جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» هجوما منسّقا استهدف مواقع استراتيجية، وأدى إلى مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا.
ونتيجة تحالف الفصيلين، سقطت كيدال وبلدات وقرى أخرى في الشمال في يد الجبهة والإرهابيين الذين يفرضون حصارا على العاصمة باماكو.
وبحسب كوني، فإن رفع علم مالي فوق المدينة مجددا سيكون بمثابة رسالة قوية لكل التنظيمات الإرهابية والجماعات الانفصالية في الشمال، مشيرا إلى أن ذلك سيعكس موازين القوة على الأرض وبالتالي سيجبر المسلحين على التراجع كما حصل في 2023».
وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام المذكور، شن الجيش المالي هجوما واسعا على كيدال في معركة انتهت برفع العلم المالي فوق حصن كيدال وتعيين الجنرال الحاج آغ غامو -الطوارقي من قبيلة إمغاد- حاكما عسكريا.
واعتبر الخبير المالي أن الرسالة حينها كانت واضحة، وهي نفس الرسالة التي يسعى الجيش حاليا لإيصالها للانفصاليين بشكل خاص وهي أن المدينة ستكون خاضعة للحكومة وأنها هي ستديرها بسواعد سكانها من الطوارق.
«عقدة التحكم»
لطالما شكلت كيدال «عقدة التحكم» في التوازنات بمختلف أبعادها في مناطق الشمال المالي المضطربة، وهذا ما يؤكده الدكتور أحمد ميزاب، الخبير في القضايا الأمنية والاستراتيجية.
وفي حديث لـ«العين الإخبارية»، يقول ميزاب، وهو مدير مركز "أفريك جيوبولتيك" للدراسات الاستراتيجية، إن «من يقرأ تاريخ الصراع المالي يدرك أن كيدال لم تكن مجرد ولاية فقط في الخريطة، بل كانت دائمًا عقدة التحكم في التوازنات العسكرية والقبلية واللوجستية وحتى الاستخباراتية».
ويضيف: «ولهذا يقال إن الطريق إلى باماكو يمر عبر كيدال».
ويوضح: «كيدال ليست مفتاحًا لباماكو بالمعنى العسكري التقليدي فقط، بل بالمعنى الاستراتيجي العميق، فعندما تفقد الدولة السيطرة السياسية والأمنية على هذه المدينة، فإنها تفقد جزءًا من هيبتها السيادية، وتفتح المجال أمام تشكل سلطات موازية وشبكات تهريب وتحالفات عابرة للحدود».
ووفق الخبير، فإن «كل الأنظمة المالية فهمت أن استقرار باماكو يبدأ من الشمال»، ومستدركا: «لكن الخطأ هو اختزال الأزمة في كيدال وحدها، فهي ليست السبب بل المؤشر».
ويتابع: «هي تعكس أزمة الدولة المالية نفسها، أزمة الاندماج الوطني، ضعف الحضور المؤسساتي، هشاشة التنمية، وتداخل الفاعلين الخارجيين».
ولهذا، يخلص ميزاب إلى أنه يمكن القول إن «كيدال ليست فقط مفتاح باماكو، بل مرآة لمستقبل الدولة المالية كلها. فإذا استقرت كيدال ضمن مشروع دولة موحدة وقوية، تستقر مالي. وإذا بقيت فضاءً مفتوحًا للصراعات المسلحة والتدخلات الخارجية، فإن باماكو نفسها تبقى تحت ضغط دائم».
«رمز السيادة»
أهمية كيدال لم يختلف حولها أيضا حمدي جوارا، الكاتب المالي المختص في قضايا الساحل وأفريقيا، قائلا إن «كيدال تعتبر رمز السيادة في مالي واستعادتها أولوية بالنسبة للجيش».
وفي حديثه لـ«العين الإخبارية»، أشار جوارا إلى «أنباء عن تطويق المدينة، ولكن في رأيي أن التحرير قد يأخذ وقتا، وقد تكون هناك مسارات للتفاوض حول الخروج الآمن للإرهابيين والمتمردين».
وشدد في الآن نفسه على ضرورة «استعادة كيدال وفق عقيدة ورؤية الجيش المالي وكذلك القوات المتحالفة معها سواء الفيلق الروسي وجيش الساحل المشترك»، في إشارة إلى القوة المشتركة التي أطلقتها مالي والنيجر وبوركينا فاسو في أواخر 2025.
وأعرب الخبير عن اعتقاده بأن «الثأر لمقتل وزير الدفاع ساديو كامارا مرهون باستعادة كيدال وكل التراب المالي في الشمال»، في حقيقة يقول إنها «باتت واضحة لكل من يملك زمام القيادة العسكرية في مالي، ولذلك عيّن الرئيس نفسه وزيرا للدفاع لأهمية المعارك القادمة».