«القاتل الصامت» يعود بنمط مرعب.. هل فتح كوفيد الأبواب لالتهاب السحايا؟
تشهد المملكة المتحدة انتشارا لحالات التهاب السحايا بمعدلات غير مسبوقة، مما أثار قلقا واسعا بين الأوساط الطبية.
وفي تطور لافت، يرجح الخبراء وجود صلة مباشرة بين هذا التفشي وتداعيات جائحة كوفيد-19 على الجهاز المناعي للشباب.

يأتي هذا التحذير عقب تسجيل حالة وفاة لطالب وخضوع شابين آخرين للعلاج في مقاطعة "باركشير"، وذلك بعد ثمانية أسابيع فقط من تفش حاد للمرض في مقاطعة "كينت" مرتبط بناد ليلي، أسفر عن وفاة شخصين وإصابة أكثر من اثني عشر آخرين بإعياء شديد.
لغز السلالة "ب" والنمط غير المعتاد
أكدت وكالة الأمن الصحي البريطانية رصد حالات جديدة في مدينة "ريدينغ"، ووفاة طالب في المرحلة الثانوية من كلية "هينلي".
وأظهرت الفحوصات أن إحدى الحالات مصابة بسلالة "التهاب السحايا ب" (Meningitis B)، وهي السلالة البكتيرية الشرسة نفسها التي أودت بحياة طالبين في تفشي "كينت".
ويؤكد الأطباء أن هذا الانتشار يخالف النمط التقليدي للمرض، إذ يظهر التهاب السحايا عادة في صورة حالات فردية معزولة، مما يطرح تساؤلاً ملحاً: ما الذي تغير هذه المرة؟
فرضية كوفيد-19.. هل أصبحت الخلايا أكثر ضعفاً؟
أوضحت الدكتورة ليندسي إدواردز، الخبيرة في الاستجابات المناعية بجامعة "كينغز كوليدج لندن"، أن التهاب السحايا قد يكون في طريقه ليصبح أكثر شيوعاً في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد 19. فبينما تعيش بكتيريا التهاب السحايا "ب" بشكل غير ضار في أنوف حوالي 25% من المراهقين والشباب، فإن المشكلة تكمن في كيفية تغيير كوفيد لطبيعة الخلايا البشرية.
ويدخل فيروس كوفيد إلى الخلايا عبر الارتباط بمستقبلاتها الخاصة،عندما يحدث هذا، فإنه يمنح البكتيريا فرصة ذهبية لغزو الخلايا أيضاً (وهو ما يفسر إصابة العديد من مرضى كوفيد سابقاً بعدوى بكتيرية ثانوية كالالتهاب الرئوي). ويُحتمل أن يكون هؤلاء الشباب قد أصيبوا بكوفيد في وقت سابق، مما ترك خلاياهم أكثر عرضة للاختراق البكتيري.

عوامل بيئية وسلوكية تُغذي "الانتشار الفائق"
يرى الخبراء أن العدوى أصبحت "أكثر توغلاً" نتيجة تضافر عدة عوامل تشمل طبيعة البكتيريا والسلوك البشري، ومن أبرزها:
- خطورة السلالة: تضم مجموعة "التهاب السحايا ب" أكثر من مئة سلالة، بعضها يسبب تسمم الدم السحائي، وهو نوع مهدد للحياة يسبب تلفاً دائماً في الدماغ والحبل الشوكي.
- التدخين والفيب (السجائر الإلكترونية): تساهم هذه العادات في إتلاف الجزء الخلفي من الحلق، مما يمنح البكتيريا الانتهازية طريقاً سهلاً لداخل الجسم.
- بيئات الاختلاط اللصيق: تشكل الملاهي الليلية، المدارس الداخلية، والمدن الجامعية بيئة خصبة لانتشار البكتيريا نتيجة التواجد في مساحات مغلقة لفترات طويلة.
- إغلاقات الجائحة: يُحتمل أن الشباب الذين يرتادون الجامعات الآن يفتقرون إلى المرونة المناعية الطبيعية ضد البكتيريا بسبب فترات الإغلاق الطويلة التي عاشوها أثناء الجائحة.
- ظاهرة الانتشار الفائق : يدرس العلماء مدى استعداد بعض الأشخاص جينياً ليكونوا أكثر عرضة لنقل العدوى وإصابة أعداد أكبر من المعتاد.

الموقف الرسمي والتحرك الصحي
طمأنت وكالة الأمن الصحي البريطانية الجمهور مؤكدة أنها تعمل عن كثب مع شركائها، وقدمت مضادات حيوية وقائية للمخالطين المباشرين للحالات. وأضافت الوكالة: "المرض لا ينتشر بسهولة، والمخاطر على عامة الجمهور لا تزال منخفضة".
من جانبه، علّق البروفيسور أندرو بريستون، خبير الأمراض المعدية بجامعة "بات"، قائلاً: "هذا التفشي يذكرنا بأنه على الرغم من ندرة المرض، إلا أنه يظل خطيراً للغاية. لحسن الحظ، الحالات الحالية تبدو محتواة داخل مجموعة تواصل اجتماعي محددة، مما يسهل تتبع المخالطين وتقديم العلاج واللقاحات فوراً".
ودعت السلطات الصحية الشباب إلى مراجعة سجل تطعيماتهم والتأكد من تلقي لقاح (MenACWY) المتاح مجاناً حتى سن 25 عاماً، مع التنويه بأنه لا يحمي من جميع السلالات.
دليل الأعراض.. سباق مع الزمن لإنقاذ الحياة
تحذر الأوساط الطبية من أن الأعراض الأولى لالتهاب السحايا قد تكون غامضة ومضللة وتشبه الإنفلونزا، لذا يشدد الأطباء على عدم انتظار العلامات التقليدية قبل طلب المساعدة.
وتظهر الأعراض المبكرة فجأة، وتشمل حمى مفاجئة وقشعريرة، إرهاق شديد وآلام في العضلات، صداع حاد، غثيان، تقيؤ، وحساسية شديدة تجاه الضوء (لدى الأطفال والمراهقين).
وعند الرضع، تكون الأعراض الأولية رفض الرضاعة، خمول شديد، وصعوبة في الاستيقاظ.
أما الأعراض المتقدمة (تظهر مع تفاقم العدوى)، فتشمل تصلب شديد في الرقبة، ارتباك، تشوش ذهني، وصعوبة في التركيز، أو حدوث تشنجات.

اختبار "الكوب الزجاجي" للطفح الجلدي
يعد ظهور طفح جلدي أرجواني لا يختفي عند الضغط عليه (يمكن التحقق منه بلف كوب زجاجي فوق الجلد) علامة حاسمة على تسمم الدم.، ويبدأ كنقاط صغيرة على الجذع أو الأطراف ثم ينتشر كبقع تشبه الكدمات.
ويعد هذا الطفح يعد علامة متأخرة جداً للمرض، وبعض المرضى لا يظهر لديهم مطلقاً. لذلك، فإن عامل الوقت هو الأهم، إذ يمكن للأعراض أن تتحول من خفيفة إلى مهددة للحياة في غضون ساعات قليلة.