أمريكا والتاج الإسباني.. أكثر من حليف
التاج الإسباني لا يمثل عنصرًا أساسيًا لاستمرارية الديمقراطية الإسبانية فحسب وإنما لتعزيز سياستها الخارجية.
وبحسب تحليل نشره موقع "ناشيونال إنترست"، فإنه غالبا ما يبدأ النقاش الأمريكي حول أوروبا بالإنفاق الدفاعي، وتقاسم الأعباء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) وما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال قادرة على تحمل تكاليف دعم الأمن الأوروبي.
لكن العلاقة عبر الأطلسي ليست منحة بل هي إحدى الركائز الأساسية للقوة الأمريكية ولتوسيع نفوذ واشنطن.
ولذلك، لا تزال أوروبا مهمة لأمريكا، وفي القارة العجوز تستحق إسبانيا اهتمامًا أكبر مما تحظى به في كثير من الأحيان، فهي ليست فاعلاً ثانوياً وإنما حليف في الناتو، وقوة في البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وبوابة إلى شمال أفريقيا، والجسر الطبيعي إلى أمريكا اللاتينية.
وترجع أهمية اسبانيا لموقعها الجغرافي وتاريخها وتوجهها السياسي وفي وقت تختبر فيه روسيا والصين وإيران تماسك الغرب على جبهات متعددة، فإن مكانة مدريد مسألة استراتيجية، وفق التحليل نفسه.
وأشار التحليل إلى أن إسبانيا تقدم حالةً بالغة الأهمية، فهي ديمقراطية حديثة لكن في ظل تغير الحكومات والتحالفات وفي ظل استجابة القادة السياسيين للضغوط الداخلية، أو التوجهات الأيديولوجية، أو إغراءات الشعبوية فإنه يتعين على الدولة أن تبقى قائمة وهنا تكمن الأهمية الاستراتيجية للتاج الإسباني.
والملكية ليست حزبًا سياسيًا، فهي لا تحكم، ولا تضع السياسة الخارجية ودورها الدستوري محدد بدقة، لكن نظرا لأنها تسمو فوق الصراع السياسي اليومي، فإنها تجسد شيئًا غالبًا ما تكافح الديمقراطية لحمايته وهو الاستمرارية.
هوية استراتيجية
في بلد يشمل تاريخه الحديث الديكتاتورية، والانتقال، وترسيخ الديمقراطية، والتكامل الأوروبي، وعضوية الناتو، فإن الاستمرارية ليست فضيلة مجردة، بل هي جزء لا يتجزأ من هوية إسبانيا الاستراتيجية.
وأدرك الملك خوان كارلوس، الذي حكم من عام 1975 وحتى تنازله عن العرش عام 2014 هذا الأمر بوضوح استثنائي، ولا يمكن اختزال دوره في إسبانيا الحديثة إلى مجرد مراسم.
فقد أصبح أحد الشخصيات المحورية في انتقال إسبانيا من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، وساهم في منح النظام الديمقراطي الجديد مصداقية دولية بعد عقود من العزلة في ظل ديكتاتورية فرانشيسكو فرانكو.
وتزامن عهد خوان كارلوس مع توجه إسبانيا نحو أوروبا وانضمامها إلى الناتو واندماجها داخل الاتحاد الأوروبي وبروزها كشريك ديمقراطي يحظى باحترام الولايات المتحدة، ورغم أن الحكومات المنتخبة هي من اتخذت هذه القرارات، إلا أن التاج منحها الديمومة.
ولم يكن خوان كارلوس بالنسبة للولايات المتحدة مجرد ملك، بل رجل دولة ساهم في ترسيخ مكانة إسبانيا ضمن التحالف الديمقراطي، وعززت علاقاته مع الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين الثقة بين مدريد وواشنطن.
ومؤخرا، أعادت بريطانيا التذكير بهذا المنطق عندما قدم الملك تشارلز ما لم تستطع الحكومة تقديمه في لحظة التوتر بين واشنطن ولندن من الاستمرارية، والاحتفالات، والشرعية، ولغة الصداقة التاريخية التي تسمو فوق خلافات العصر، وهذه هي القيمة الحقيقية للملكية الدستورية في الشؤون الخارجية.
وفي هذا السياق، ينبغي فهم دور ملك إسبانيا الحالي، فيليبي السادس، فهو لا يحتاج إلى الخوض في جدل حزبي للدفاع عن مصالح إسبانيا العليا بل إن مهمته أعمق من ذلك من خلال تمثيل استمرارية الدولة في وقت بات فيه الغموض الاستراتيجي يشكل خطراً متزايداً.
العمل الميداني
أثبتت إسبانيا أيضاً أهميتها من خلال العمل الميداني، فساهمت في مهام حلف الناتو في البلقان وأفغانستان.
وفي ظل حكومات ذات توجهات سياسية مختلفة، شاركت في مهام مكافحة الإرهاب والقرصنة وعدم الاستقرار والتهديدات لأمن الحلفاء، من البحر الأبيض المتوسط إلى القرن الأفريقي ومنطقة البلطيق.
وغالباً ما يُستهان بدور إسبانيا لكنه ليس هامشياً فهي تساعد في تعزيز الجناح الجنوبي للناتو، وتستضيف بنية تحتية ذات أهمية مباشرة للعمليات الأمريكية وعمليات الحلفاء.
كما تقدم إسبانيا للولايات المتحدة ما لا تستطيع سوى قلة من الدول الأوروبية تقديمه وهو الصلة الحضارية واللغوية والتاريخية العميقة بأمريكا اللاتينية.
فرغم تمتع واشنطن بنفوذ في نصف الكرة الغربي، إلا أنه لا يولد الثقة دائماً في المقابل تتمتع إسبانيا بعلاقات لغوية وثقافية وتاريخية وثيقة.
وقد أدرك الملك خوان كارلوس هذا البعد من الدبلوماسية، فساهم في ترسيخ مكانة إسبانيا كحلقة وصل بين أوروبا والولايات المتحدة وأمريكا اللاتينية ولم يخدم هذا النفوذ الهادئ المصالح الإسبانية فحسب، بل عزز أيضًا الموقف الأوروبي الأطلسي الأوسع.
ولا ينبغي التعامل مع العلاقة مع الولايات المتحدة كمسألة تفضيل لليسار أو اليمين فهي ليست خيارًا مؤقتًا يخص حكومة بعينها، وإنما هي قضية تمس أمن إسبانيا، ودورها في الناتو ونفوذها في أوروبا، ومسؤولياتها في البحر المتوسط، وعلاقتها بأمريكا اللاتينية، ومصداقيتها كقوة أوروبية أطلسية جادة.
معادلة
لا يمكن لأوروبا أن تتحمل التراخي، ولا يمكن لإسبانيا أن تتحمل الغموض، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تتحمل سوء فهم أي من المؤسسات الأوروبية هي التي تسهم في الحفاظ على التحالف الاستراتيجي طويل الأمد الذي يتجاوز الدورات الانتخابية.
ولذلك، لا يزال للتاج الإسباني أهمية بالغة ففي فترات التقلبات السياسية، تتمتع الملكيات الدستورية بقيمة استراتيجية كامنة فهي قادرة على تجسيد استمرارية الأمة حين يطغى الحاضر على السياسة.
ومثلما ساهم الملك خوان كارلوس في ترسيخ مكانة إسبانيا في النظام الديمقراطي الأوروبي الأطلسي بعد عقود من العزلة الاستبدادية، يقع على عاتق الملك فيليب السادس الآن مسؤولية الحفاظ على هذا التوجه الاستراتيجي.
ولا تزال الولايات المتحدة بحاجة إلى أوروبا التي لا تزال بحاجة إلى إسبانيا في حين لا تزال إسبانيا بحاجة إلى ملكية واعية بواجبها في الحفاظ على استمرارية الأمة وكرامتها ومكانتها في النظام الديمقراطي الأوروبي الأطلسي، وفق المصدر نفسه.