زيارة «ستارمر» للصين.. لندن تفتح قنوات التجارة وسط تعقيدات جيوسياسية
يرتقب، الأسبوع المقبل، أن يقوم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بزيارة رسمية إلى الصين، في خطوة تمثل محاولة لإعادة تنشيط العلاقات التجارية بين البلدين، في ظل توتر سياسي وجيو-استراتيجي واسع النطاق على الساحة الدولية.
وتأتي الزيارة، التي لم يعلن عنها رسميا بعد من داونينغ ستريت، في توقيت حساس يشهد تطورات مهمة في السياسة الخارجية البريطانية.
ووفقا لتقرير نشرته صحيفة الغارديان، سيقود ستارمر وفدا يضم كبار قادة الأعمال البريطانيين، من بينهم رؤساء تنفيذيون لشركات كبرى مثل BP وHSBC وJaguar Land Rover وRolls-Royce، إلى جانب عدد من المؤسسات الصناعية والخدمية الرائدة. ويهدف هذا التحرك إلى إحياء اتفاقية حوار الأعمال بين المملكة المتحدة والصين، التي كانت تُعرف سابقًا بفترة «العصر الذهبي»، قبل أن تشهد العلاقات الثنائية تراجعًا ملحوظًا خلال السنوات الماضية.
ويرمز هذا الوفد التجاري إلى رغبة الحكومة البريطانية في تعزيز الشراكات الاقتصادية مع ثاني أكبر اقتصاد في العالم، وتوسيع نطاق الاستثمار والتعاون في مجالات الطاقة، والتكنولوجيا، وصناعة السيارات، والتمويل، في وقت تواجه فيه لندن تحديات اقتصادية داخلية وضغوطًا خارجية من شركائها الغربيين، وعلى رأسهم الولايات المتحدة.
وتُعد زيارة ستارمر المرتقبة الأولى لرئيس وزراء بريطاني إلى الصين منذ عام 2018، حين زارت رئيسة الوزراء السابقة تيريزا ماي بكين خلال ما كان يُعرف بالعصر الذهبي للعلاقات الاقتصادية. وقد شهدت تلك المرحلة تعاونًا مكثفًا بين كبرى الشركات والبنوك في البلدين، قبل أن تتراجع هذه الدينامية تدريجيًا مع تصاعد الخلافات حول قضايا استراتيجية، مثل الأمن الرقمي والبنية التحتية.
وترتبط الزيارة ارتباطًا وثيقًا بقرار الحكومة البريطانية الموافقة على خطة لبناء سفارة صينية كبيرة في لندن، وهو قرار أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والأمنية داخل المملكة المتحدة. فقد أبدى منتقدون مخاوف تتعلق بتعرض الأمن القومي البريطاني لمخاطر محتملة مرتبطة بالتجسس والمراقبة، في حين اعتبر مسؤولو الاستخبارات أن هذه المخاوف قابلة للإدارة والتعامل.
وتأتي هذه الدينامية الجديدة في العلاقات بين لندن وبكين في سياق تقلبات أوسع تشهدها السياسة العالمية، إذ تمر العلاقات البريطانية-الأمريكية بفترات توتر حول ملفات من بينها الأقاليم القطبية الشمالية وأمن التجارة الدولية، ما يعزز أهمية إعادة تقييم لندن لعلاقاتها مع قوى دولية كبرى أخرى.
ومن جهتها، رحّبت بعض الدوائر الاقتصادية البريطانية بهذه الخطوة، معتبرةً إياها فرصة لتعزيز الوظائف والإنتاج الوطني، في حين عبّرت قوى سياسية معارضة وعدد من الخبراء عن مخاوف تتعلق بزيادة الاعتماد الاقتصادي على دولة تخضع سياساتها الداخلية والخارجية لجدل واسع، وهو ما يعكس انقسامًا عميقًا داخل بريطانيا بشأن كيفية التعامل مع الصين.
ومن المتوقع أن تستغرق الزيارة عدة أيام، تتخللها لقاءات بين كبار المسؤولين البريطانيين ونظرائهم في بكين، فضلًا عن جلسات مع ممثلين عن الشركات الصينية الكبرى، في مسعى لإعادة تفعيل أطر التعاون الاقتصادي على أسس جديدة تتلاءم مع التحولات الجيوسياسية الراهنة.
وتُعد هذه الزيارة اختبارًا حقيقيًا لقدرة حكومة ستارمر على تحقيق توازن دقيق بين الانفتاح الاقتصادي من جهة، والحفاظ على الأمن القومي والمصالح الاستراتيجية من جهة أخرى، في واحدة من أكثر العلاقات الثنائية تعقيدًا على الساحة الدولية في الوقت الراهن.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNTYg جزيرة ام اند امز