فصل عنصري وتطهير عرقي.. سلطات بورتسودان والإخوان تعيد إحياء مثلث حمدي (خاص)
فصل جديد من انتهاكات منظمة يرتكبها الجيش السوداني وكتائب الإخوان المتحالفة معه، لا تهدد فقط مئات الآلاف من المدنيين، بل ما تبقى من فرص الحفاظ على وحدة النسيج الاجتماعي في بلد أنهكته الحرب والصراعات العرقية.
فالسلطات في بورتسودان شرعت منذ مايو/أيار 2025، وبمعاونة الكتائب الإخوانية المتحالفة مع الجيش السوداني، في عمليات إخلاء قسري لعدد من الأحياء السكانية في العاصمة الخرطوم؛ والتي تقطنها مجموعات تنتمي أصولها إلى مجموعات عرقية أفريقية في غرب السودان، بحسب دراسة لمركز المعرفة السوداني نُشرت في جنيف.
خطوة عدّها مراقبون في السودان تحدثوا لـ«العين الإخبارية»، بأنها تأتي ضمن سلسلة جرائم حرب ممنهجة ضد الإنسانية يقوم بها الجيش السوداني والفصائل الإخوانية المتحالفة معه، بهدف تقسيم المجتمع السوداني وتفتيت نسيجه الاجتماعي، لتستمر الحرب وتبقى الفوضى الأمنية هي الرهان «الإخواني» الأخير للعودة للسلطة.
إعادة تشكيل الخارطة السكانية
وأوضح عضو المكتب التنفيذي لـ«محامو الطوارئ» في السودان، محمد صلاح، في حديث لـ«العين الإخبارية»، أن حملات إزالة التجمعات السكانية في ولاية الخرطوم، ارتبطت بسياق الحرب عقب سيطرة الجيش السوداني على الخرطوم.
هذه الحملات تزامنت مع تصاعد خطابات الكراهية والتحريض ضد مجتمعات تقطن هذه المناطق، معظمها من النازحين الفارين من النزاعات السابقة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، بحسب عضو المكتب التنفيذي لـ«محامو الطوارئ» في السودان.
صلاح أشار إلى إن هذه الفئات السكانية تعرضت لعمليات «وصم» وتجريم جماعي، في نمط مشابه لما حدث لسكان الكنابي بولاية الجزيرة وسط السودان، الذين واجهوا انتهاكات على أسس عرقية شملت القتل والتهجير القسري.

سياسات تشير إلى توجه يتجاوز المعالجات الأمنية أو الإدارية، ليقترب من محاولات إعادة تشكيل «الخريطة السكانية» بما يتوافق مع تصورات إقصائية وعنصرية، تتقاطع مع أطروحات سابقة انتهجها نظام الإخوان إبان عهد الرئيس السابق عمر البشير، مثل «مثلث حمدي» و«دولة النهر والبحر»، يقول عضو المكتب التنفيذي لـ«محامو الطوارئ» في السودان.
وأضاف: «كما ارتبطت هذه الإجراءات باتهامات جماعية بالتعاون مع قوات الدعم السريع، صاحبتها حملات اعتقال وترحيل طالت نازحين ولاجئين، بينهم إثيوبيون وجنوب سودانيون».
وأكد عضو هيئة «محامو الطوارئ» أن هذه الممارسات تعكس غياب سياسة وطنية قائمة على المواطنة وحقوق الإنسان وحماية النازحين واللاجئين، واستمرار معالجة الأزمات عبر الإقصاء والتهجير بدلاً من معالجة أسبابها الجذرية".
جريمة فصل عنصري
المحامية والناشطة الحقوقية المدافعة عن حقوق الإنسان في السودان، رحاب مبارك سيد أحمد، قالت لـ«العين الإخبارية»، إن ما تقوم به قوات الجيش السوداني والمليشيات الإخوانية ضد بعض المجموعات السكانية ذات السمة العرقية الأفريقية، سواء في الخرطوم أو بعض المدن السودانية، يعتبر عملا إجراميا من الدرجة الأولى، ولا يمكن وصفه بشيء أقل من كونه جرائم «فصل عنصري»، تستهدف تقسيم المجتمع السوداني وتفتيت نسيجه الاجتماعي، لتستمر الحرب وتبقى الفوضى الأمنية هي الرهان «الإخواني» الأخير للعودة للسلطة.
وأكدت سيد أحمد، أن عددا من المناطق السكنية في أطراف الخرطوم، مثل «جنوب الحزام، مايو، الجخيس، أم القرى» تعرضت لعمليات هدم وإزالة وطرد لساكنيها بواسطة مليشيات البراء بن مالك الإخوانية وما يُعرف بـ«الخلايا الأمنية»، وفقاً لمزاعم كذوبة تدعي بأن هؤلاء المجموعات السكانية تتعاون مع قوات الدعم السريع وتقدم له كل المعلومات الخاصة بتحركات الجيش السوداني ومراكز تموضعه.
وبحسب سيد أحمد فإن هذا النمط من السلوك الإجرامي «العنصري» بات هو السمة الأبرز للمليشيات الإخوانية المتحالفة مع الجيش السوداني، مضيفة أن «سياسة التطهير العرقي والإقصاء الجهوي والمناطقي، يعتبر من الجرائم الممنهجة التي تهدف إلى تقسيم السودان وفقاً لأسس وتصورات ذات طبيعة عنصرية استعلائية ظل يتميز بها التنظيم الإخواني وذراعه العسكري المتمثل في الجيش السوداني والفصائل العسكرية التي تنتمي له».
خارج الخرطوم
في السياق نفسه، اعتبرت المحامية والناشطة الحقوقية رحاب المبارك، خلال حديثها لـ«العين الإخبارية»، أن الحملات الممنهجة ضد عدد من المجموعات السكانية الأصيلة في النسيج المجتمعي السوداني، لم تكن قاصرة فقط على الأحياء الطرفية في العاصمة الخرطوم، أو كذلك في حدود نطاق ما يعرف بـ«الكنابي» في ولاية الجزيرة.
وقالت: "في يناير/كانون الثاني من العام الجاري، صادرت استخبارات الجيش السوداني العسكرية بمدينة أم روابة في ولاية شمال كردفان غربي السودان، وتحديداً في حي طيبة، مئات المنازل والبيوت من ملاكها، بدعاوى اتهام أصحابها بالتعاون مع قوات الدعم السريع.

وأضافت: أن مدينة أم روابة خلال تلك الفترة شهدت ذعراً وتخوفاً من القبضة الأمنية «الباطشة للخلية الأمنية التي جعلت أغلب سكان الأحياء يغادرونها، بعد أن امتلأت سجونها بالمسجونين والمحكومين بالإعدام والمؤبد بتهم التعاون مع الدعم السريع».
وأكدت أن ما حدث في أم روابة و ود مدني بولاية الجزيرة و في الخرطوم، هو امتداد لسلسلة جرائم منظمة ظلت تنتهجها السلطة المركزية منذ أن حكم التنظيم الإخواني السودان في يونيو/حزيران 1989 وحتى أبريل/نيسان 2019، بدوافع عرقية وعنصرية وثقتها تقارير المنظمات العالمية ووكالات الأمم المتحدة من قبل، في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق.
تبرير الظلم وغياب العدالة
بدوره، قال المحلل السياسي والباحث الأكاديمي في السودان، حاتم طه، إن أجواء الحرب والانقسام الحاد في السودان، أضعفت مؤسسات العدالة، وتراجعت بموجبها الضمانات القانونية التي تكفل حق الدفاع والمحاكمة العادلة.
وأوضح طه خلال حديث لـ«العين الإخبارية»، أن الفترة التي أعقبت خروج قوات الدعم السريع من أجزاء واسعة من الخرطوم، شهدت حوادث أثارت تساؤلات جدية حول الحدود الفاصلة بين تطبيق القانون والعقاب الجماعي.

وتابع: «شاهدنا مقاطع مصورة عديدة واستمعنا إلى شهادات مواطنين تحدثوا عن عمليات هدم وإزالة طالت منازل وأسواقاً ومناطق سكنية، كما انتشرت خطابات تتحدث عن تطهير العاصمة من عناصر أو مجموعات اتُّهمت بالارتباط بالدعم السريع أو بالحاضنة الاجتماعية التي يُعتقد أنها وفرت له التأييد أو الحماية».
وبحسب طه، عندما تصبح التهمة جماعية، وعندما يتحول الاشتباه إلى أساس للمعاملة، وعندما يُنظر إلى المواطنين من خلال أصولهم الجهوية أو الإثنية أو الاجتماعية، فإن المجتمع يكون قد بدأ السير في طريق آخر غير طريق العدالة". مؤكداً بأن أخطر ما تتركه الحروب ليس الدمار المادي وحده، بل القابلية النفسية والأخلاقية لتبرير الظلم بحق فئات كاملة من السكان".
أدلة موثوقة
وطبقاً لما أوردته دارسة مركز المعرفة السوداني، التي اطلعت عليها "العين الإخبارية" فإنه وبالإضافة إلى عمليات الإخلاء القسري للسكان من منازلهم، أفادت تقارير أيضًا بأن سلطات بورتسودان هدمت آلاف المحال التجارية والأكشاك وأكشاك البيع في عدد من الأسواق التقليدية، خصوصًا في المناطق السكنية ذات الدخلين المنخفض والمتوسط، مما قد يدفع ملايين السكان الذين يعانون أصلًا من الهشاشة إلى مزيد من الفقر المدقع والبؤس الحاد، والنزوح المستمر، والاعتماد شبه الكامل على المساعدات الإنسانية.
وتسببت حملة الإخلاءات القسرية الممنهجة في مواجهات عنيفة بين الضحايا والشرطة، مما أدى لتعرض مئات الأفراد الذين حاولوا مقاومة عمليات الهدم، بما في ذلك نساء وأطفال، لاعتداءات جسدية ولفظية، كما جرى اعتقال العشرات منهم واحتجازهم بالسجون. اعتداءات لم يسلم منها حتى عشرات الجنود الذين اعترضوا على تدمير منازلهم، وقُتل ما لا يقل عن ثلاثة منهم بطريقة وحشية أثناء احتجازهم في الخرطوم بحري خلال مارس/أبريل 2026.