البرهان و«خطاب الانتقام».. إعلان حرب على فرص السلام بالسودان (خاص)
بينما تتكثف التحركات الإقليمية والدولية لإحياء مسار السلام في السودان، أبحر رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان في الاتجاه المعاكس، ملقيًا بثقله خلف المسار العسكري، رغم فشل رهاناته السابقة عليه، وما خلفه من دمار واسع في البلد الأفريقي.
ففي خطاب له، بدا البرهان يقطع الطريق أمام أي مساعٍ لتبريد الأزمة في السودان سلميًا، باستخدامه مفردات مشحونة بالكراهية والوعيد والانتقام من قوات الدعم السريع، مقرونة بحديث لم يسأم تكراره عن «أجندات خارجية» تقف وراء استمرار الصراع.
خطاب أثار تساؤلات حول تداعيات تصاعد لغة المواجهة على فرص استئناف المفاوضات، واحتمالات تعميق الانقسام المجتمعي، وإمكانية تغذية دوامة الانتقام المتبادل، فضلًا عن تأثيره في جهود الوسطاء الإقليميين والدوليين، وموقف القوى المدنية التي تراهن على تسوية سياسية تنهي الحرب وتضع السودان على طريق الاستقرار.
وكان الجيش السوداني وضع شروطًا للقبول بالمقترح الأمريكي الهادف إلى إرساء «هدنة» لمدة 90 يوماً، بينها انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي تسيطر عليها، في اشتراطات اعتبرها سياسيون ومراقبون، كاشفة عن نهج درج عليه قائد الجيش عبدالفتاح البرهان، في التهرب من أي مبادرات سلام تبتغي إنهاء الحرب، دون أن تقدم ضمانات للبرهان بالبقاء على سدة الحكم، وهو ما بدا واضحا في خطابه الأخير.
امتداد لفكر الإخوان
وإلى ذلك، قال حسب النبي محمود حسب النبي، رئيس حركة تحرير السودان الديمقراطية ورئيس لجنة الإعلام في تحالف السودان التأسيسي، في حديث لـ«العين الإخبارية»، إن خطاب البرهان يحمل «دلالات جهادية تقوم على التحريض والكراهية المطلقة ضد السودانيين».
وأضاف أن هذا الخطاب، «هو الذي أوصل السودان إلى واقعه الحالي بعد أكثر من سبعين عاماً من الاستقلال والحروب»، معتبرًا أنه يمثل «امتداداً لفكر الإسلام السياسي الذي قاد إلى تقسيم السودان، في ظل احتكار النخبة المركزية للسلطة منذ الاستقلال».

وأشار إلى أن استخدام مفردات تحمل دلالات الكراهية «يعكس نزعة انتقامية تصل إلى أقصى درجات العداء»، الهدف منها «إنهاء أي فرصة لوقف الحرب في السودان».
فـ«البرهان بحكم انتمائه التاريخي إلى تنظيم الإخوان المسلمين في السودان، ظلت مواقفه، متسقة مع مواقف الجماعة التي أشعلت الحرب بالتنسيق مع جزء من القيادات المؤدلجة داخل الجيش»، يقول حسب النبي، مشيرًا إلى أن «الإسلاميين في السودان يقفون ضد السلام من حيث المبدأ».
تعميق الشروخ
وحذر من أن هذا النوع من الخطاب «سيسهم في تعميق الفرز الاجتماعي والجغرافي بين السودانيين»، مشيراً إلى أن «نظام الإخوان، بعد اندلاع الحرب، صنف قبائل في كردفان ودارفور باعتبارها حواضن اجتماعية للدعم السريع، وهو ما أدى إلى حرمانها من خدمات الدولة وقطع الاتصالات عنها ومنعها من الجنسية السودانية، إضافة إلى حرمان أبنائها من أداء امتحانات الشهادة السودانية»، فضلا عن انتهاكات أخرى مورست بحق مواطنين في شرق وشمال السودان بسبب صلات اجتماعية مزعومة بمحمد حمدان دقلو».
وفند حسب النبي مزاعم البرهان حول «الأجندات الخارجية»، قائلا إنه «يعتقد بوجود مؤامرة دولية تستهدف بقاء نظام الإخوان المسلمين في السودان، في تصور «غير صحيح». وأضاف أن «النظام الذي يستند إليه البرهان ارتكب جرائم حرب وإبادة جماعية»، مستدلا على ذلك بأن «الرئيس المعزول عمر البشير وعدداً من قيادات النظام السابق مطلوبون للمحكمة الجنائية الدولية أو للتحقيق».

وحول تأثير هذا الخطاب في جهود الوساطة، قال حسب النبي إن «هناك تراجعاً كبيراً في فرص وقف الحرب، رغم الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة والدول الرباعية»، معتبراً أن «موقف البرهان، المتسق مع الإسلاميين، أسهم في إفشال المبادرات السابقة، لأنه معادٍ للسلام ولأي جهد وطني يسعى للحفاظ على وحدة السودان وتحقيق العدالة الاجتماعية والسياسية».
وحذر من تداعيات مواقف البرهان على مسار السلام، قائلا إن «مواقف البرهان تمثل أكبر تهديد للمبادرات المطروحة لإنهاء الحرب»، مشيرًا إلى أن خطاب «القصاص» الذي «قد يقود إلى مزيد من الانتهاكات، يمثل امتداداً لخطاب حسن الترابي، الذي قاد الحرب الأهلية تحت شعار المشروع الحضاري الإسلامي».
واعتبر حسب النبي أن «الحديث عن مفاوضات بين الجيش والدعم السريع لم يعد يعكس واقع الصراع»، قائلاً إن الحرب «تحولت من مواجهة بين الطرفين إلى صراع بين ما وصفه بـ(السودان الجديد الليبرالي) و(السودان القديم)».
إعلان حرب على فرص السلام
وشدد على أن «أي مبادرة سلام ينبغي أن تشمل جميع الأطراف، وأن خطاب البرهان يعادي أي جهد وطني أو إقليمي أو دولي لوقف الحرب».
وحول موقف القوى المدنية، قال حسب النبي إن «القوى الثورية السودانية أعلنت موقفها بوضوح من خطاب البرهان»، مضيفاً أنه «لا يملك قرار وقف الحرب أو استمرارها، لأن القرار، بحسب اعتقاده، بيد علي كرتي، بينما يكتفي البرهان بتبني مواقف الإسلاميين في السودان»، مؤكداً أن «هذه الحقيقة باتت معروفة لدى الجميع في السودان».

وكان القيادي بالتحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة السودانية، خالد عمر يوسف، قال لـ"العين الإخبارية"، إن البرهان، "تحركه رغبته في حكم السودان قسراً وبأي شكل من الأشكال، وهو الأمر الثابت الوحيد في كل تحركاته ومناوراته". مضيفاً أن "معيار الاتفاق المرضي لدى البرهان، هو البحث عن أي اتفاق يسمح بتنصيبه رئيساً مطلقاً للبلاد".
وربط يوسف بين تهرب البرهان من أي استحقاقات سلام تجتهد فيه الأطراف الدولية والإقليمية، وما حوته خارطة طريق دول الرباعية على وجه التحديد، باعتبارها المبادرة الدولية الأكثر تعبيراً عن تطلعات الشعب السوداني في الحكم المدني والديمقراطية والسلام.
خطورة منهج البرهان
وأوضح أن "خارطة طريق الرباعية التي صدرت في سبتمبر/أيلول 2025، مثلت متغيراً مهماً في مسار عملية السلام، حيث حوت جدولاً زمنياً واضحاً، ومبادئ عبرت عن آمال وطموحات غالب أهل السودان، في السلام واستعادة مسار الانتقال المدني الديمقراطي وعدم مكافأة الحركة الإسلامية الإرهابية على جرائمها في حق الشعب السوداني".
وأضاف: "كما رافق هذه الخارطة ضغوطا حقيقية من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لذا فقد انتبه البرهان لخطورة هذه الضغوطات، وانخرط في لعبة إضاعة الزمن وشراء الوقت، أملاً في حدوث متغيرات تهب رياحها في اتجاه تحقيق غاياته السلطوية".
وأشار يوسف إلى خطورة منهج البرهان، مضيفا أن الأخير "لا يعبأ بالتعقيدات التي ينتجها جراء رغبته في التشبث بالسلطة".