فلسفة نظام الطيبات في مواجهة صرامة الكيتو دايت.. أيهما الأفضل فعلا؟
في الوقت الذي يبحث فيه الملايين عن "وصفة سحرية" للشفاء من أمراض العصر، نجد أنفسنا أمام صراع محتدم بين مدرستين غذائيتين تصدرتا المشهد.
وغزا "نظام الكيتو" العالم بآليته البيولوجية الصارمة، وبزغ "نظام الطيبات" محلياً بفلسفة مثيرة للجدل تقسم الطعام إلى "طيب" و"خبيث".

آلية الحرق مقابل "استئصال الالتهاب"
يقول ياسين حامد، استشاري التغذية بوزارة الصحة المصرية إن "الفرق الجوهري بينهما يكمن في المنطق الذي يعمل به كل نظام، فالكيتو دايت هو نظام أيضي بامتياز، يعتمد على تحويل وقود الجسم من الجلوكوز إلى الدهون (الحالة الكيتوزية) عبر تقليل الكربوهيدرات بشكل حاد، وهو نهج له جذور طبية في علاج الصرع المقاوم للأدوية".
أما نظام الطيبات، فيقوم على فرضية "الالتهاب"، حيث يزعم أن أمراض العصر ناتجة عن أطعمة تسبب التهابات صامتة.
وبينما يمتلك الكيتو "تفسيراً كيميائياً" حيوياً لآليته، يواجه نظام الطيبات تحدياً أكاديمياً، إذ يعتمد على تصنيف أطعمة صحية (كالبقوليات والبيض) كأعداء للجسم، وهو ما يصطدم مباشرة مع توصيات منظمة الصحة العالمية التي تعتبر هذه الأطعمة ركائز للوقاية من أمراض القلب.
صراع "الممنوعات".. بين حظر النشويات ومنع البروتين النباتي
عند النظر إلى قوائم الممنوعات، نجد تبايناً حاداً يكشف خطورة كل منهما. ويوضح حامد أن "الكيتو يشن حرباً على السكريات والنشويات، وهو ما قد يتفق معه العلم جزئياً في حالات مقاومة الأنسولين، لكنه يسمح بالدواجن والبيض والألبان كعناصر أساسية".
في المقابل، يذهب نظام الطيبات إلى منطقة أكثر راديكالية، فهو يسمح بالنشويات كالخبز الأبيض والأرز لكنه يمنع الدواجن واللبن السائل والبقوليات بدعوى احتوائها على هرمونات أو مسببات للالتهاب، وهنا تكمن المفارقة؛ فبينما يخشى متبع الكيتو من "قطعة خبز"، يخشى متبع الطيبات من طبق فول أو كوب لبن.
ويضيف: "علمياً، يظل حظر البقوليات، وهي مصدر البروتين الأرخص والأكثر أماناً لمرضى القلب، قيداً غير مبرر يرمي بظلال من سوء التغذية النوعي على متبعيه".

الدهون والزيوت.. منطقة الخطر المشتركة
تعد قضية الدهون هي النقطة الأكثر إثارة للجدل في المقارنة، فالكيتو يشجع على الدهون كوقود أساسي، مما يثير مخاوف حول ارتفاع الكوليسترول (LDL) لدى الفئات المعرضة وراثياً.
لكن نظام الطيبات يذهب لأبعد من ذلك، حيث يضع الزيوت النباتية في كفة واحدة مع التدخين، بل ويُروج لفكرة أن التدخين أقل ضرراً لأن الرئة "تنظف نفسها".
ويقول حامد إن "هذه المقارنة تتجاهل عقوداً من أبحاث أمراض القلب والأورام. فالجمعية الأمريكية للقلب تؤكد أن الزيوت النباتية غير المشبعة باعتدال تظل خياراً أفضل للصحة الوريدية من السمن الحيواني، والادعاء بأن التبغ مظلوم هو مغامرة طبية غير محسوبة العواقب لا يمكن مقارنتها بأي حال بمخاطر الكيتو التقليدية".
"الحكايات الميدانية" مقابل "الدراسات الرصينة"
ويستمد الكيتو قوته من مئات الأبحاث السريرية المنشورة التي ترصد آثاره الإيجابية والسلبية بدقة، أما نظام الطيبات، فيرتكز على ما يسمى في الطب "الدليل القائم على الحكايات"، أي حالات شفاء فردية يتم ترويجها كبديل للبحث العلمي.
ويقول حامد: "التحسن الذي يشعر به بعض متبعي (الطيبات) لا يعود بالضرورة لصحة فرضياته حول (سمية البقوليات)، بل غالباً ما يكون نتاجاً عرضياً للامتناع عن السكريات المصنعة والمخبوزات المليئة بالدهون المتحولة وهي نقاط قوة يتشارك فيها مع الكيتو. لكن العلم يحذر من أن النتائج السريعة لا تبرر تجاهل الآثار الجانبية بعيدة المدى لنقص المعادن والفيتامينات الناتجة عن منع مجموعات غذائية كاملة".

الحكم النهائي.. أيهما الأفضل؟
وإذا كان لا بد من الاختيار، يشير حامد إلى أن "الكيتو يظل نظاماً علاجياً "تحت إشراف طبي" لحالات محددة، بينما يظل نظام الطيبات أقرب إلى "اجتهاد شخصي" يفتقر للتأصيل العلمي ويحمل مخاطر العزلة الغذائية والتهوين من مخاطر التدخين".
ويختم قائلا: " الإصلاح الغذائي الحقيقي لا يحتاج للاختيار بين "تطرف الكيتو" أو "غرابة الطيبات"؛ بل يقوم على التوازن والاعتدال المدعوم بالبرهان، فجسم الإنسان معقد لدرجة أن ثمرة فاكهة بعد الغداء لن تدمر كبده، وطبقاً من البقوليات لن يشعل نيران الالتهاب في عروقه، طالما أن القاعدة الذهبية هي (التنوع والوسطية) ".