ما إن يُرفع جثمان شخصية سياسية مثيرة للجدل حتى تبدأ معركة أخرى لا تقل ضجيجاً عن المعارك التي دارت في حياته.
فالجثمان هنا لا يكون مجرد جسد يُوارى الثرى، بل رمزاً لمرحلة كاملة، وسجلاً مفتوحاً من المواقف والقرارات والحروب والصراعات التي تركت آثارها في حياة الملايين.
ولهذا، فإن مشاهد حضور الوفود الرسمية أو الشخصيات العامة لمراسم التشييع تثير دائماً أسئلة تتجاوز حدود البروتوكول. فبينما ينظر البعض إليها باعتبارها ممارسة دبلوماسية معتادة، يراها آخرون رسالة سياسية تصطدم بذاكرة الشعوب التي ما زالت تحمل آثار الدم والدموع والخراب.
المشكلة ليست في الجنازة نفسها، بل في التاريخ الذي يسير خلفها. فالشعوب لا تنسى بسهولة. لا تنسى المدن التي تحولت إلى أنقاض، ولا الأوطان التي استنزفتها الحروب، ولا المجتمعات التي مزقتها الصراعات الطائفية، ولا الميليشيات التي تمددت على حساب الدولة الوطنية.
وعندما ترى تلك الشعوب شخصيات تتسابق إلى مراسم الوداع، فإنها تتساءل: أين تقف الأخلاق عندما تتقدم الحسابات السياسية؟ قد يكون للدول حساباتها، وقد تفرض المصالح لغة مختلفة عن لغة العواطف، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن الرأي العام العربي بات أكثر وعياً وقدرة على قراءة المشهد. فالصورة التي تُلتقط في ساعة، قد تستفز ذاكرة امتدت لعقود.
والمصافحات التي تبدو عابرة في نظر السياسيين، قد تحمل معاني مختلفة تماماً لدى الناس.
لقد عانت المنطقة العربية سنوات طويلة من التدخلات والصراعات التي ارتبط اسم إيران بها بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
من الخليج إلى المشرق العربي، ظل الجدل قائماً حول دورها في تأجيج الأزمات أو دعم أطراف ساهمت في إضعاف الدولة الوطنية وإطالة أمد النزاعات. لذلك فإن كثيرين يرون أن أي محاولة لتجميل هذه المرحلة أو تجاوز آثارها عبر مشهد بروتوكولي لن تنجح في تغيير قناعة ترسخت بفعل الوقائع لا الشعارات.
والأكثر غرابة أن بعض الأصوات تحاول تصوير الاعتراض الشعبي على هذه المشاهد وكأنه انفعال عاطفي أو قراءة سطحية للسياسة، بينما الحقيقة أن الشعوب تمتلك هي الأخرى حقها في إصدار الأحكام على ما عاشته ورأته.
فليس مطلوباً من الناس أن تنسى لمجرد أن السياسة قررت فتح صفحة جديدة، ولا أن تتخلى عن ذاكرتها لأن المصالح تقتضي ذلك.
الجثمان الذي يُحمل على الأكتاف قد يرحل إلى مثواه الأخير، لكن الأسئلة التي يتركها خلفه تبقى معلقة. وأسوأ ما يمكن أن تفعله السياسة هو أن تطلب من الشعوب أن تتجاهل ذاكرتها. فالدول تُبنى بالمصالح، نعم، لكن الأوطان تُبنى أيضاً بالوفاء للحقيقة واحترام ذاكرة من دفعوا ثمن الصراعات.
لهذا، تبقى بعض الجنازات حدثاً سياسياً أكثر منها مناسبة إنسانية. ليس لأن الموت يفقد حرمته، بل لأن التاريخ يرفض أن يُدفن مع الجثمان.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة