اقتصاد

برميل النفط في زمن الكوليرا!

الخميس 2018.1.4 10:50 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1389قراءة
  • 0 تعليق
محمد الساعد

ماذا يفيد برميل النفط إذا كان اقتصاد البلد كله مصاباً بالكوليرا، خاصة أن الجميع أو لنقل الأغلبية للدقة يرون أن مصلهم الوحيد هو النفط، بينما الحقيقة تقول إن الوقاية وابتكار العلاج المناسب لداء الكوليرا هو الحل الحقيقي.

اليوم نحن على أعتاب زمن اقتصادي جديد، إما أن نموت من كوليرا الاقتصاد الريعي، أو نقبل جرعات الدواء على مراراتها وقساوتها، للتحول إلى مجتمع صناعي وتقني ونلحق على الأقل بركاب الثورة الاقتصادية الرابعة التي تمر من أمامنا حالياً، بعدما فاتتنا الثلاث الأُوَل.

ماذا يفيد لو بعت البرميل بـ 100 أو 200 أو حتى 500 دولار؟، كيف يمكن لهذا البرميل الحديدي الصدئ من كثرة تعبئته أن يكون هو الدواء الشافي من عللنا الاقتصادية والتنموية والتدفقات النقدية، بينما هو الداء في الوقت نفسه؟، وها نحن لليوم ما زلنا نعاني من أعراضه الانسحابية بعد إدمانه لأكثر من 80 عاماً.

في ظني أننا نحمِّل هذا البرميل ما لا طاقة له بها، ونجبره على تحمّل تكاليف حياتنا من شرب كوب الشاي والاستلقاء في استراحاتنا، بينما هو في الأساس مجرد منتج بسيط مهمته تحقيق جزء من عائداتنا، وعلينا نحن أن نحقق تكاليف حياتنا وحاجاتنا اليومية.

بالتأكيد أن ذلك البرميل كان يكفي «السعوديين» عندما كانت أعدادهم لا تتجاوز الـ10 ملايين مواطن، اليوم وبعدما زاد عدد العائلة السعودية وقاربوا الـ30 مليوناً، وزادت تطلعاتهم وارتفعت تكلفة الحياة وتوسعت المدن وهُجّرت القرى وأصبح الجميع يبحث عن حياة مدنية معاصرة شبيهة بدول المحيط وحتى بالدول الغربية، أصبح لزاماً أن نوفّر مداخيل أخرى قادرة على الوقوف بجانب البترول لتعزيز مصادر الخزينة العامة للدولة.

ماذا لو حكى هذا البرميل عن قصته معنا؟، وكيف فضلنا أن نعيش حياة وادعة بسيطة على أن ندخل في غمار الاقتصاد الهرمي الذي يبدأ بالسعودي العامل في البناء والزراعة والنظافة والخدمات، مروراً بعمال المصانع إلى رأس الهرم الوظيفي؟، وكيف فضلناها وفضلنا الوظيفة الإدارية عليها؟.

صحيح أن المسألة معقّدة وتحتاج إلى تفكيك لطبيعتنا الاجتماعية وطريقة حياتنا وتراكمنا المعرفي والحضاري، كما أنه لا يمكن لنا مقارنة الجزيرة العربية التي لم تعرف الإنتاج والصناعة، ولم يمر عليها أي عصر من عصور الثورة الصناعية كلها.

وللتذكير فقد مر على الإنسانية في الـ400 سنة الأخيرة أربع ثورات صناعية كبرى لنرَ أين كنا منها..

الثورة الصناعية الأولى: 1784 بدأت باختراع الآلة البخارية حينها تمت ميكنة الإنتاج، وميكنة الانتقال بواسطة الطاقة البخارية.

الثورة الصناعية الثانية: 1870 أي نحو 100 عام بعد تقنية الآلة البخارية، انتقل الإنتاج والاتصال والمواصلات إلى استخدام الطاقة الكهربائية، وقد أدت إلى طفرة وتغيير كبير في المجتمعات.

الثورة الصناعية الثالثة: 1969 اختراع الحاسوب ونقل أول رسالة عن طريق الإنترنت، ودخول الحواسيب في معظم مناحي التصنيع والاتصالات والتعليم.

اليوم نحن أمام الثورة الصناعية الرابعة: إذ ظهرت تقنيات Artificial Intelligence و Big Data (الروبوتات، وتعليم الآلات، تقنية النانو، التحكم في الجينات، تطبيق الطباعة الثلاثية الأبعاد في الصناعة والإنتاج D-printing 3، والتقنية الحيوية).

من المؤكد أن الثورات الثلاث الأولى مرت علينا دون أن نعلم عنها، حتى قدّر الله واكتشفنا النفط العام 1936م، واستمرت علاقتنا بها كمتلقين لمنتجاتها فقط.

حاولت السعودية اللحاق بقطار العصر وشرعت في ذلك بالبدء في مشروع تحديث منتصف الستينيات بوضع خطط خمسية حاولت أن تلبي الحاجات التنموية في بلد عاش طوال 7 آلاف سنة، حياة صعبة نتيجة لظروف مناخية قاسية، لم يكن يوجد به غير مدن وقرى بدائية، بلا مصادر للطاقة ولا طرقات ولا خدمات ولا تعليم.

وللحقيقة لا يُلام أجدادنا على طريقة حياتهم؛ فيكفي أنهم ناضلوا للبقاء أحياء في تلك الظروف، فلم يكن هناك مصادر دائمة للمياه ولا أنهر ولا بحيرات، وهي كما هو معروف المحرّك الأساس لأي مجتمع منتج زراعي وصناعي، كما ساهمت الأعراف الاجتماعية الصارمة التي وضعت الصناعة في طبقة مهنية وضعية، ولم تعطها حقها من الاهتمام والرعاية في عرقلة المجتمع.

اليوم نحن على أعتاب زمن اقتصادي جديد، إما أن نموت من كوليرا الاقتصاد الريعي، أو نقبل جرعات الدواء على مراراتها وقساوتها، للتحول إلى مجتمع صناعي وتقني ونلحق على الأقل بركاب الثورة الاقتصادية الرابعة التي تمر من أمامنا حالياً، بعدما فاتتنا الثلاث الأُوَل، لا نساهم فيها إلا باستخدام رسائل الواتس والسناب وتويتر..

إنه القرار الأخير قبل أن نموت ونحن في انتظار آخر قطرة من بترول السفانية !.


نقلاً عن " عكاظ "

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات