من التجارة إلى الذكاء الاصطناعي.. الشراكة الإماراتية-الأمريكية تدخل عصرا جديدا
تواصل العلاقات الإماراتية-الأمريكية ترسيخ مكانتها كإحدى أقوى الشراكات الاستراتيجية عالميا، مدفوعة بتعاون متنامٍ في التجارة والاستثمار والدفاع والتكنولوجيا، وصولا للذكاء الاصطناعي والصناعات المستقبلية.
وجاء قرار وزارة التجارة الأمريكية بتخفيف قيود التصدير إلى الإمارات ليؤكد مستوى الثقة المتبادل بين البلدين، ويفتح آفاقا أوسع للتعاون في التقنيات المتقدمة والقطاعات الاستراتيجية.
أعلنت وزارة التجارة الأمريكية الجمعة، إعادة تصنيف دولة الإمارات ضمن الفئة A:5، مع إزالتها من الفئتين D:3 وD:4 في لوائح إدارة التصدير الأمريكية، تقديرا لمكانة الإمارات كشريك دفاعي رئيسي للولايات المتحدة، ولدورها المحوري في دعم المصالح الأمنية الأمريكية.
ويتيح القرار لدولة الإمارات، وللحكومة والجهات التجارية المعتمدة، الحصول على صادرات أمريكية دون الحاجة إلى تراخيص مسبقة، تشمل المعدات والتقنيات الدفاعية، والأقمار الاصطناعية، والتقنيات مزدوجة الاستخدام، إضافة إلى رقائق الذكاء الاصطناعي وخوادمه، بما يتماشى مع إطار التعاون الإماراتي–الأمريكي في مجال الذكاء الاصطناعي.
كما يرفع القرار القيود المفروضة على دعم برامج الطائرات المسيّرة الإماراتية، ويوفر مزيدا من الدعم لقطاعات استراتيجية وحيوية، تشمل الطاقة، وتحلية المياه، والطاقة النووية السلمية.
ويعكس هذا القرار تطورا جديدا في مستوى الشراكة الاستراتيجية بين الإمارات والولايات المتحدة، خاصة في مجالات الدفاع، والتكنولوجيا المتقدمة، والابتكار.
كما يدعم جهود الإمارات في تطوير قدراتها بمجالات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية، من خلال تسهيل الوصول إلى أحدث التقنيات الأمريكية، ويعزز التعاون في القطاعات الاقتصادية والاستراتيجية، بما يؤكد استمرار الشراكة الثنائية في المجالات ذات الأولوية للبلدين.
علاقات اقتصادية تواصل النمو
يأتي هذا القرار في وقت تواصل فيه العلاقات الاقتصادية بين دولة الإمارات والولايات المتحدة تحقيق إنجازات نوعية، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري الثنائي 40 مليار دولار خلال عام 2025، مسجلا نموا بنسبة 12% مقارنة بالعام السابق.
كما حافظت دولة الإمارات على مكانتها باعتبارها أكبر وجهة لصادرات الولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا للعام السابع عشر على التوالي.
وأسهمت الصادرات الأمريكية إلى دولة الإمارات في دعم نحو 205900 وظيفة داخل الولايات المتحدة خلال عام 2025، في قطاعات التكنولوجيا، والطاقة، والتصنيع المتقدم، والمعادن الحيوية.
ويعد التزام دولة الإمارات باستثمار 1.4 تريليون دولار في الولايات المتحدة على مدى 10 سنوات إحدى أبرز ركائز هذه الشراكة الاقتصادية، كما يُصنف ضمن أكبر الالتزامات الاستثمارية التي تقدمها دولة واحدة في تاريخ الولايات المتحدة.
وخلال العام الأول فقط من الإعلان عن هذه المبادرة في مارس/آذار 2025، تجاوزت الجهات الإماراتية المستهدفات المحددة في مجالات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والخدمات المالية، وقطاع الطاقة.
ويجسد ذلك التزام دولة الإمارات بمواصلة تعزيز شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، عبر توسيع الاستثمارات المتبادلة، وتعزيز التعاون مع القطاع الخاص، وتنمية التجارة الثنائية.
وبصفتها مركزا عالميا رائدا للتجارة والاستثمار، تؤكد دولة الإمارات التزامها الراسخ بدورها كشريك موثوق للولايات المتحدة، مع تطلعها إلى توسيع التعاون في مجالات التنظيم المالي، والابتكار، والذكاء الاصطناعي، والتصنيع المتقدم، والطاقة، وغيرها من القطاعات الاستراتيجية.
أبرز القطاعات
كما تشمل أبرز القطاعات التي تستثمر فيها الإمارات داخل الولايات المتحدة الطاقة المتجددة، والاتصالات، والطاقة، والعقارات، والخدمات البرمجية، وتكنولوجيا المعلومات.
وفي مايو/أيار 2026، كشف الدكتور ثاني بن أحمد الزيودي، وزير التجارة الخارجية الإماراتي، أن دولة الإمارات تجري بالفعل مباحثات مع الولايات المتحدة بشأن اتفاقية مقايضة العملات.
وأوضح أن الهدف من هذه المباحثات يتمثل في الارتقاء بالتجارة والاستثمار بين البلدين إلى مستويات غير مسبوقة، بما يدعم طموح الإمارات للانضمام إلى مجموعة اقتصادية نخبوية تضم خمس دول فقط تتمتع بهذا الامتياز مع الولايات المتحدة.
وأشار إلى أن سياسة الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الخاصة باتفاقيات مقايضة العملات تقتصر حاليا على 5 اقتصادات كبرى هي: كندا، ودول الاتحاد الأوروبي، والمملكة المتحدة، وسويسرا، واليابان.
وأكد أن انضمام الإمارات إلى هذه المجموعة سيمنح العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين سرعة وكفاءة أعلى، ويعزز تدفق المعاملات المالية بصورة فورية، وهو ما يمثل خطوة مهمة لدعم مكانة الإمارات مركزا ماليا عالميا.
الذكاء الاصطناعي
لم تعد الشراكة الإماراتية-الأمريكية تقتصر على التجارة والاستثمار التقليديين، بل توسعت خلال السنوات الأخيرة لتشمل التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي، باعتبارهما من أهم ركائز الاقتصاد العالمي خلال العقود المقبلة.
وأصبحت مجالات العلوم والتكنولوجيا تشكل ركنا أساسيا ومتناميا في العلاقات الثنائية، في ظل توسع التعاون ليشمل تقنيات ناشئة وحيوية، مثل الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمّية، والطاقة، والتصنيع المتقدم.
ويمنح قرار وزارة التجارة الأمريكية الأخير دفعة قوية لهذا المسار، إذ يتيح للإمارات الوصول إلى رقائق الذكاء الاصطناعي والخوادم والتقنيات الأمريكية المتقدمة، بما يعزز خططها لبناء بنية تحتية رقمية متطورة وترسيخ مكانتها مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي.
إطار جديد للتعاون التكنولوجي
وفي مايو/أيار 2025، أعلنت وزارة التجارة الأمريكية توصل دولة الإمارات والولايات المتحدة إلى إطار عمل لتسريع الشراكة في مجال الذكاء الاصطناعي، بهدف تعزيز التعاون في التقنيات الحيوية، وذلك خلال زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى منطقة الشرق الأوسط.
كما كشفت الوزارة عن إنشاء مركز إماراتي-أمريكي جديد وشامل للذكاء الاصطناعي في أبوظبي بقدرة 5 غيغاواط، في خطوة تعكس مستوى التعاون المتقدم بين البلدين في هذا القطاع الحيوي.
ويعد المركز أحد أكبر مشروعات البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في المنطقة، ويستهدف دعم تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرات الحوسبة، وتسريع الابتكار في القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وتنسجم هذه الخطوات مع توجه الإمارات نحو بناء اقتصاد معرفي يعتمد على التقنيات المتقدمة، ويجعلها مركزًا عالميًا لتطوير حلول الذكاء الاصطناعي.
ويواكب التعاون التكنولوجي بين البلدين توسعا مستمرا في مجالات الأمن السيبراني، في ظل التحديات المتزايدة التي تفرضها الرقمنة وتسارع استخدام الخدمات السحابية.
وتواصل الإمارات والولايات المتحدة تعزيز التعاون المشترك لتوفير بيئة رقمية آمنة، ومواجهة المخاطر السيبرانية المتزايدة والمتوقعة، من خلال رفع كفاءة نظم الحماية والمراقبة، وتطوير آليات التصدي للهجمات الإلكترونية، بما يسهم في حماية البنية التحتية الرقمية ومواجهة التحديات والانتهاكات السيبرانية.
ويعكس هذا التعاون إدراك البلدين لأهمية الأمن الرقمي باعتباره أحد أهم عناصر الأمن القومي والاقتصادي، خاصة مع التوسع الكبير في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي.
استثمارات الطاقة
تواصل دولة الإمارات والولايات المتحدة توسيع شراكتهما في قطاع الطاقة، الذي يُعد أحد أهم محاور التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين، في ظل التوجه العالمي نحو تعزيز أمن الطاقة وتسريع التحول إلى مصادر الطاقة النظيفة.
وتمتلك دولة الإمارات استثمارات استراتيجية في سوق الطاقة الأمريكية تتجاوز 70 مليار دولار، من خلال شركات أدنوك ومصدر وXRG، وفق بيانات وكالة أنباء الإمارات (وام) الصادرة في مارس/آذار 2025.
وتشمل هذه الاستثمارات قطاعات النفط والغاز منخفض الكربون، والهيدروجين، والطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، بما يعكس تنوع مجالات التعاون بين البلدين في قطاع يُعد من أكثر القطاعات حيوية للاقتصاد العالمي.
ويؤكد القرار الأمريكي الأخير الخاص بتخفيف قيود تصدير التكنولوجيا للإمارات أن التعاون بين البلدين لم يعد يقتصر على تجارة الطاقة التقليدية، بل يمتد إلى التقنيات المتقدمة التي تدعم مستقبل هذا القطاع، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التشغيل الذكية، والحلول الرقمية المستخدمة في إدارة مشروعات الطاقة.
ويبرز التعاون الإماراتي-الأمريكي كذلك من خلال الشراكة من أجل تسريع الطاقة النظيفة (PACE)، التي تمثل واحدة من أكبر المبادرات الثنائية عالميًا في مجال الطاقة المستدامة.
وتهدف هذه الشراكة إلى تعبئة استثمارات بقيمة 100 مليار دولار، لإنتاج 100 غيغاواط من الطاقة النظيفة بحلول عام 2035.
كما تتضمن تخصيص 20 مليار دولار لتمويل مشروعات طاقة نظيفة بقدرة 15 غيغاواط داخل الولايات المتحدة قبل عام 2035، بما يدعم جهود البلدين في خفض الانبعاثات وتعزيز أمن الطاقة.
وتعكس هذه المبادرة حجم الثقة المتبادلة بين البلدين، وحرصهما على قيادة التحول العالمي نحو اقتصاد منخفض الكربون، من خلال مشروعات استثمارية طويلة الأجل تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا الحديثة.
التعاون المناخي
ويمثل العمل المناخي أحد أبرز مجالات التعاون المثمر بين الإمارات والولايات المتحدة، حيث يشكل جزءا رئيسيا من أجندة الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.
ويبرز ذلك من خلال شراكة PACE، التي تجمع بين أهداف أمن الطاقة والتنمية المستدامة، وتسهم في تسريع التحول العالمي نحو الطاقة النظيفة.
كما تشارك دولة الإمارات مع الولايات المتحدة في قيادة مبادرة AIM for Climate، التي تضم أكثر من 50 دولة و500 شريك، وتركز على تعزيز الابتكار في الزراعة المستدامة والأمن الغذائي، ودعم الحلول المناخية القائمة على التكنولوجيا.
وفي إطار هذا التعاون، استثمرت شركة مصدر الإماراتية في 11 مشروعا للطاقة النظيفة داخل الولايات المتحدة، من بينها مشروع Big Beau للطاقة الشمسية وتخزين الكهرباء بالبطاريات بالقرب من مدينة لوس أنyلوس، في خطوة تعكس توسع الاستثمارات الإماراتية في مشروعات الطاقة المستقبلية.
ويؤكد قرار وزارة التجارة الأمريكية بإعادة تصنيف الإمارات ضمن الفئة A:5 أن العلاقات بين أبوظبي وواشنطن دخلت مرحلة أكثر تقدما، تتجاوز الأبعاد التجارية التقليدية إلى بناء شراكة استراتيجية شاملة في التكنولوجيا المتقدمة، والذكاء الاصطناعي، والطاقة، والدفاع، والابتكار.
كما يعكس القرار مستوى الثقة الذي تحظى به دولة الإمارات لدى الولايات المتحدة باعتبارها شريكا موثوقا في دعم الاستقرار الإقليمي، وتطوير الصناعات المستقبلية، وتعزيز الاقتصاد الرقمي، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون النوعي والاستثمارات المشتركة.
ومع استمرار نمو التجارة الثنائية، وتوسع الاستثمارات المتبادلة، وتكامل الرؤى في مجالات الذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة والتكنولوجيا المتقدمة، تبدو الشراكة الإماراتية-الأمريكية ماضية نحو آفاق أرحب، لتصبح نموذجا عالميا للتحالفات الاقتصادية القائمة على الابتكار، والثقة، والمصالح الاستراتيجية المشتركة.