سياسة

ترامب يهبط بطائرة "شبح" على العراق!

السبت 2018.12.29 05:27 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 692قراءة
  • 0 تعليق
د. شاكر نوري

تشبه زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أحد أفلام جيمس بوند المثيرة، التي لم تشهدها صالات السينما، بل وتصلح أن تكون أحد أفلام الإثارة، فقد هبط ترامب في طائرة مطفأة الأضواء، مع حماية جوية كبيرة، في قاعدة الأسد الجوية في محافظة الأنبار، برفقة زوجته السيدة الأولى، ونخبة من المساعدين ومسؤولي جهاز أمن الرئاسة وبعض الصحفيين، يوم الأربعاء الفائت، لتكون أول زيارة له للعراق، وسط مخاوف أمنية كبيرة استدعت كل هذه السرية، وليس الهدف زيارة العراق بل زيارة الجنود الأمريكيين هناك، كما عبر عن ذلك بقوله "لم أعش هذه الأجواء من قبل.. كان المكان كله أسود اللون.. كان عليكم أن تمروا من هذه التجربة"!

زيارة ترامب للعراق بهذه الطريقة "البوليسية" البعيدة عن كل البروتوكولات الدولية في زيارة البلدان الأخرى، من شأنها أن تخلط الأوراق في المحيط الإقليمي والدولي، وتضع تركيا والعراق وسوريا وإيران وروسيا أمام خرائط جديدة يجب أن تفكر بها قبل أن تخطو أية خطوة نحو المستقبل

جاء توقيت هذه الزيارة بعد أيام من إعلان سحب القوات الأمريكية من سوريا، فقد أراد ترامب أن يردّ على الألسن التي واجهته بالنقد لعدم زيارته لجنوده في مناطق الصراع الملتهب. وهذه سابقة دولية أن يزور رئيسٌ بلدا في مخالفة صريحة لكل الأعراف الدولية وكأن أرض العراق عبارة عن معسكر للجنود الأميركيين ليس إلا. وقد ألقى خطابا أمام جنوده، وسخر عدد من المغردين من الحكومة العراقية الذين قالوا إنهم لم يكونوا على علم بزيارة ترامب، وحتى بدون إذن قيادته، وكأنه بلد محتل!

إن المثير في هذه الزيارة هو عنصر السريّه والجانب الاستخباراتي الذي يفوق الهدف السياسي الاستراتيجي للزيارة المفاجئة. انتقل الرئيس الأمريكي بطائرة مروحية عسكرية خاصة إلى السفارة الأمريكية في قلب المنطقة الخضراء في بغداد، وقبل أن يلتقي بأي من كبار المسؤولين العراقيين الذين لم يعرفوا أن ترامب حط الرحال في قلب "الخضراء"، وبالقرب من منازلهم ومقراتهم!

تطورات مفاجئة رافقت هذه الزيارة، لأنها أربكت العلاقة مع روسيا وتركيا، لأنهما مهتمتان بالأوضاع الداخلية في سوريا، وتداعيات الانسحاب الأمريكي من سوريا. ولا ندري ما الذي حصل في الغرف المظلمة بين الأمريكان والأتراك كما لو أن الأمريكان سلموا الوضع الأمني إلى تركيا بعد انسحابهم. وبدأت الأوضاع تزداد غموضا أكثر فأكثر بعد هذه الزيارة التي تحمل معاني رمزية عديدة. فسوريا لا تستطيع أن تتحرك بدون الدعم الروسي، كما أن روسيا لم ترد على التدخل التركي في سوريا، فهل هناك طبخة يعد لها جميع الأطراف ذات الصلة بسوريا؟

إن سيطرة الأتراك على مساحة كبيرة من الأراضي السورية يفتح لهم الباب، ضمن اشتراطات جغرافية وسياسية واقتصادية وعسكرية.

في المقابل، فإن الأمريكان صرحوا بأن نقل قواتهم الى شمال شرق أربيل ما هو إلا للتمهيد لنقلهم لاحقا الى أمريكا! وهذا مثار تساؤلات عديدة. هل سيفسح الانسحاب الأمريكي المجال أمام إيران المحاصرة أن تمّد نفوذها إلى سوريا؟ إيران خفّضت موازنتها السنوية إلى النصف، وقد طال التخفيض ولأول مرة الجيش والحرس الثوري، نتيجة للضغط الاقتصادي عليها. ومما لا شك فيه أن الانسحاب الأمريكي سيترك فراغا كبيرا في مسألة التوازنات بين القوى المسيطرة على الأرض، ونحن نعلم ما أحدثه الانسحاب الأمريكي من العراق في عام 2011 الذي هاجمته إدارة ترامب أثناء حملتها الانتخابية، ما استغلته إيران في التوغل إلى العراق والسيطرة على أهم قراراته.  

هل سيتكرر السيناريو العراقي في سوريا؟

سيؤدي ذلك إلى سهولة تنفيذ مخططات التموضع الإيراني في سوريا، وفتح الباب أمام عمليات تهريب ونقل الأسلحة إلى "حزب الله" اللبناني على الحدود العراقية-السورية، وفتح المجال لتنامي النفوذ الروسي والإيراني. الأوساط الأمريكية تعتبر هذا الانسحاب متسرعا، ومن تداعياته استقالة وزير الدفاع الأمريكي. ومن ناحية أخرى لم ترض إسرائيل عن هذا الانسحاب، كما عبر عن ذلك بنيامين نتانياهو في إحدى تغريداته، طبقا لحساباته ورؤيته، باعتبارها انتصارا عسكريا لإيران؛ لأن الوجود الأمريكي عقبة أمامها. الأتراك من جانبهم يطالبون ترامب بالضغط على الفصائل الكردية للانسحاب إلى شرق الفرات. وإيران تتخيل أن الانسحاب الأمريكي من سوريا سيعطيها دورا جيوسياسيا مهما في المنطقة، وذلك مجرد أحلام لأنها الآن محكومة بقرارات الحصار الأمريكي الذي يشل قدراتها المالية العسكرية والسياسية في المحيطين الإقليمي والعالمي. ومرة أخرى، تتوهم إيران بأن وجودها في العراق باقٍ إلى أمد طويل، وهو مجرد أحلام سرعان ما تزول لأن العراق هو الآخر مقبل على تغييرات كبيرة في المستقبل.

إن زيارة ترامب للعراق بهذه الطريقة "البوليسية" البعيدة عن كل البروتوكولات الدولية في زيارة البلدان الأخرى، من شأنها أن تخلط الأوراق في المحيط الإقليمي والدولي، وتضع تركيا والعراق وسوريا وإيران وروسيا أمام خرائط جديدة يجب أن تفكر بها قبل أن تخطو أي خطوة نحو المستقبل. وتحتاج خريطة المنطقة إلى ترتيبات جديدة تفكر بها هذه البلدان لأن أمريكا تضعها على صفيح ساخن.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات