سياسة

داعش مع "أرض" وبدونها

السبت 2018.12.29 05:28 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 1479قراءة
  • 0 تعليق
عيسى يونس البلوشي

 مع إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من سوريا، تصاعدت مخاوف المجمتع الدولي من عودة داعش لملء هذا الفراغ، وبالنظر لتاريخ داعش نجد اختلافا جوهريا في طريقة عملها واختيار أهدافها وأنشطتها الإرهابية، والحال مع داعش بدون "أرض" يستدعي تذكر حال تنظيم القاعدة ونشاطها قبل التدخل الأمريكي في أفغانستان وبعدها، فهل مخاوف عودة داعش مبررة؟ وكيف يعمل داعش عندما يسيطر على الأرض؟

عمل تنظيم داعش خلال سنوات ذروته على استقطاب المقاتلين الإرهابيين الأجانب من خلال وسائل دعائية احترافية ومتطورة روّج فيها لأرض الخلافة "الدولة الفاضلة" التي تقام عليها الشريعة الإسلامية النقية بحد زعمهم

فكل المنظمات الإرهابية وجماعات العنف السياسي تحمل مهمة وهدفا وسببا لوجودها، أو ما يسمى ببيان التأسيس وتسوّق داعش لمهمتها بشعار "خلافة على منهاج النبوة" فهدفها الأول هو إقامة دولة الخلافة المزعومة، هذه الرؤية لا تتحقق إلا بوجود أرض يحكمها الخليفة المزعوم ويطبق عليها فهمه وتفسيراته للشريعة الإسلامية، كما رفع التنظيم شعارا آخر "باقية وتتمدد"، يعزز لفكرة السيطرة الجغرافية على أكبر قدر ممكن من الأراضي، فتمددها وبقاؤها مرتبط بالجغرافيا، وعليه سيسعى التنظيم لفرض سيطرته على الأرض  وسيعود لها متى ما فقدها.

وعندما بلغ تنظيم داعش ذروته سيطر على أراض شاسعة في سوريا والعراق يوازي حجمها حجم المملكة المتحدة، ومع فرض السيطرة على هذه الأراضي شرع في تشكيل هيكل تنظيمي للقيادة المركزية على قمته مجلس الشورى، ومن ثم الخليفة المزعوم الذي يشرف مباشرة على مجالس ثلاثة وهي المجلس العسكري والشرعي والأمني.

وأجبرت المساحات الشاسعة التي حكمها التنظيم على تشكيل هيكل تنظيمي للولايات الخاضعة لسيطرته، يترأسها "والي" ويشرف على "أمراء"، كل في نطاقه الجغرافي، وتخضع لهم لجان متخصصة إدارية وعسكرية وأمنية، وتتشعب هذه اللجان إلى فرق عمل وأقسام.

هذا الهيكل التنظيمي مكّن داعش من الاستفادة القصوى من الأرض الموجودة واستغلال خيراتها بشكل منظم ومدروس، واستقطاب أعداد أكبر من المقاتلين الأجانب، ومع كثرة الموارد وانتشارها شرع التنظيم بتوثيق أعماله وتنظيم سجلاته بشكل أكثر "بيروقراطية"، هذا التوثيق جعل من التنظيم أكثر عرضة لاختراقه والتحصل على الملعومات المتعلقة بمقاتليه وموارده وكيفية توزيعها، وهذا ما حصل بالفعل، وقد أسفرت عمليات مقاومة داعش في الأنبار عن الحصول على وثائق كشفت ظهر التنظيم الإرهابي، وسهلت من عملية استهدافه.

يشكل التمويل العصب الأساسي لاستمرار التنظيمات الإرهابية وبقائها، وكانت لداعش ميزانية مخيفة تصل إلى مليار دولار في عام 2015، كان عامل وجود الأرض أساسيا في تحصليها، وتنوعت مصادر التمويل ما بين مبيعات النفط وتهريبه إلى تركيا وإيران بثمن بخس، والضرائب التي يفرضها على حركة التنقل والمحاصيل الزراعية على أرضه، وتهريب وبيع الآثار، وأموال الفدية التي تدفع له، بالإضافة إلى نهبه أموال البنوك في المناطق التي يحتلها، كما حصل مع البنك المركزي في الموصل الذي غنم منه التنظيم ما يزيد عن ٤٠٠ مليون دولار.

ومع فقدان التنظيم الأرض الغنية ومساحاتها الشاسعة؛ لجأ التنظيم إلى سبل أكثر تعقيدا في تحصيل ونقل أمواله وتبني أسلوب آخر أقل كلفة.

عمل تنظيم داعش خلال سنوات ذروته على استقطاب المقاتلين الإرهابيين الأجانب من خلال وسائل دعائية احترافية ومتطورة، روَّج فيها لأرض الخلافة "الدولة الفاضلة" التي تقام عليها الشريعة الإسلامية النقية بحد زعمهم، وشكلت انتصاراته المتتالية مادة شهية للباحثين عن المغامرة من شتى أصقاع الأرض الساخطين على مجتمعاتهم الغربية والعربية على حد سواء، ولأي سبب كان، مدفوعين بوهم المشاركة في إحقاق الأرض الموعودة، ومع تزايد الانتصارات زادت أعداد المنضمّين لهذا التنظيم، فالكل يبحث له عن راية منتصرة لينضوي تحتها.

ومع تقهقر داعش وتلقيه الهزائم وانحسار أرضه وشح موارده ركز على تجنيد "الذئاب المنفردة"، وذلك من خلال البروبوغاندا الجهادية التي يروج لها التنظيم في وسائل التواصل الاجتماعي، الذئب المنفرد لا يتلقى أي تدريب ميداني، ولا يعتبر من ذوي التخصص أو الأهمية، و فقدانه لا يضر بالتنظيم، وغالبا ما يستخدم أدوات وتكتيكات بدائية في هجماته، كالسلاح الأبيض والدهس، ويقوم بتغطية تكاليف الهجمة الإرهابية من جيبه الخاص دون المساس بموارد داعش التي بدأت تشح.

دراسة وتحليل المنظمات الإرهابية كداعش والتنبؤ بآليات عملها وفق مواردها المتاحة وسبل تكيفها يساهم في وضع استراتيجية شاملة ومرنة تستجيب للتغيرات الطارئة على المنظمات الإرهابية، دون الإخلال بأهمية دور المجتمع الدولي في تشكيل التحالفات العسكرية والسياسية والاستخباراتية، ودون إهمال الجانب الوقائي الذي يرتكز على حماية حقوق الفرد وتعزيز قيم التسامح ودمج الأقليات في المجتمعات، وغيرها من السبل التي بها نواجه آفة الإرهاب.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات