بين تفريغ المؤسسات واستدعاء «وزارة الحرب»... أمريكا تعيد صياغة نفسها

مرحلة غير مسبوقة تمر بها الولايات المتحدة، من إعادة تشكيل مؤسساتها، حيث لم تعد التحولات تقتصر على السياسات العامة، بل طالت البنية المؤسسية نفسها.
فمن موجات الاستقالات التي عصفت بالهيئات الصحية والعلمية، مرورا بتقليص دور مجلس الأمن القومي وحصر صناعة القرار في دائرة ضيقة من المقرّبين، وصولا إلى خطة لإحياء مسمى «وزارة الحرب»، تبدو الإدارة الأمريكية عازمة على قلب معادلة الخبرة والولاء رأساً على عقب.
خبرة تُستبدل بالولاء
من أبرز مظاهر التحول، الموجة المتسارعة من الاستقالات والإقالات التي ضربت مراكز السيطرة على الأمراض، والمعاهد الوطنية للصحة، وإدارة الغذاء والدواء، حيث غادر أكثر من ثلاثة آلاف موظف مناصبهم في مراكز السيطرة على الأمراض منذ بداية العام، بينهم أسماء بارزة على رأس برامج اللقاحات والصحة العامة.
واتُّهم الوزير روبرت إف كينيدي الابن، الذي يقود وزارة الصحة، بتسييس العمل العلمي و«التلاعب بالبيانات»، فيما يرى منتقدون أن إفراغ هذه المؤسسات من خبراتها المتراكمة يضعف قدرة البلاد على مواجهة الجوائح والكوارث المستقبلية.
على الجانب الآخر، يصف كينيدي تلك المؤسسات بأنها «مستنقع فساد»، ويعتبر أن «التطهير» شرط ضروري لتغيير ثقافتها العميقة.
فراغ في قلب البنتاغون والاستخبارات
لم تتوقف الموجة عند حدود الصحة العامة؛ فقد دخلت الأجهزة الأمنية والعسكرية بدورها في دوامة نزيف بشري، مع استقالات وإقالات طالت قيادات بارزة في البنتاغون، ووكالة الاستخبارات الدفاعية، ووحدات الابتكار الدفاعي، إضافة إلى تقاعد مبكر لقادة عسكريين كبار.
ويبرر الرئيس ترامب وأنصاره هذه التغييرات بأنها خطوة للتخلص من «جنرالات الصحوة» الذين يمثلون امتداداً لسياسات قديمة.
لكن منتقدين يحذرون من أن هذه التحولات تُفقد الدولة توازنها المؤسسي وتترك مواقع حساسة بفراغ خطير، خاصة في ملفات الأمن السيبراني والسلامة النووية والاستجابة للكوارث.
من مركز صناعة القرار لمجرد تنسيق شكلي
ويعد التقليص الحاد في دور مجلس الأمن القومي أحد أبرز انعطافات عهد ترامب؛ فقد تراجع عدد موظفي المجلس إلى أقل من 150 بعد أن تجاوز 400 في إدارات سابقة.
ومع إقالة مستشار الأمن القومي مايك والتز، بات وزير الخارجية ماركو روبيو يجمع بين المنصبين، في خطوة غير مألوفة.
هذا التغيير، جعل عملية صنع القرار الأمني تدار عبر دائرة ضيقة من المساعدين، ما أضعف – بحسب خبراء – التنسيق بين الوكالات وأدى إلى ارتباك واضح في ملفات معقدة مثل الهجمات على المنشآت النووية الإيرانية أو تسليح أوكرانيا.
ويصف المؤرخ ديفيد روثكوف الأمر بقوله: «ترامب أصبح هو النظام الأمني القومي نفسه».
استدعاء رمزية الماضي العسكري
وفي خطوة رمزية كبرى، يدرس البيت الأبيض إعادة تسمية وزارة الدفاع لتعود إلى مسماها التاريخي «وزارة الحرب».
الفكرة، التي يروّج لها ترامب بشغف، تعكس رغبته في التخلي عن الارتباط بمسمى «وزارة الدفاع»، لصالح اسم يراه أكثر قوة وحزماً.
وبينما يعتبر ترامب أن العودة إلى الاسم القديم ستعزز صورة الردع الأمريكية، يرى منتقدون أن الخطوة أقرب إلى خطاب تعبوي يستهلك الرمزيات التاريخية أكثر من كونها إصلاحا مؤسسيا حقيقيا.
aXA6IDIxNi43My4yMTYuNyA= جزيرة ام اند امز