وصلت إلى 27 عاما.. أحكام قضائية في تونس لـ«صناع محتوى» بتهمة الإباحية والاتجار بالبشر
أصدرت الدائرة الجنائية بالمحكمة الابتدائية بتونس أحكاماً قضائية تراوحت بين سنة و27 سنة سجناً بحق مجموعة من صناع المحتوى على منصتي "تيك توك" و"إنستغرام".
وجاءت هذه الأحكام بعد إحالة دائرة الاتهام بمحكمة الاستئناف 18 متهماً للمحاكمة على خلفية قضايا جنائية جسيمة، شملت إنتاج ونشر محتويات إباحية، والاتجار بالأشخاص، وتبييض الأموال، إضافة إلى تهم تتعلق بالتحريض على استهلاك المخدرات.
وتضمنت لائحة الاتهامات الموجهة للمؤثرين تورطهم في شبكات إجرامية استغلت أنظمة المعلوماتية لنشر فيديوهات وصور ذات محتوى إباحي تتضمن إيحاءات جنسية، واستغلال أشخاص باستعمال القوة والتهديد والإكراه، وهو ما يعكس تحولاً خطيراً في نوعية المحتوى الرقمي الموجه للجمهور.
وتأتي هذه الأحكام تتويجاً لحملة قانونية بدأت في أكتوبر 2024، حين أصدر القضاء بطاقات إيداع بالسجن ضد 5 مؤثرين بتهم الإخلال بالأخلاق العامة. وتندرج هذه الملاحقات القضائية في إطار تحرك رسمي أذنت به وزارة العدل التونسية لمواجهة ما وُصف بـ"المحتوى الهابط"، استجابةً لحالة من القلق المجتمعي المتصاعد من التأثيرات السلبية لهذه المقاطع على الناشئة، والمطالبات الشعبية الواسعة بفرض رقابة صارمة على الفضاء الرقمي، وصلت حد الدعوات لحظر تطبيق "تيك توك".
وتضع هذه القضية الدولة التونسية أمام معادلة معقدة؛ إذ تسعى الموازنة بين حماية الحق الدستوري في حرية التعبير من جهة، وضرورة ضبط الفضاء السيبراني وحماية القيم المجتمعية من الانحرافات الرقمية من جهة أخرى.

وتعكس هذه المحاكمات تحولاً جذرياً في التعاطي الرسمي مع "اقتصاد الانتباه" الرقمي، حيث لم تعد السلطات تنظر إلى صناعة المحتوى كنشاط ترفيهي فردي، بل كفضاء خاضع للمساءلة القانونية الجنائية إذا تجاوز الحدود الأخلاقية. ويشير مراقبون إلى أن لجوء القضاء التونسي إلى تسليط عقوبات تصل إلى 27 سنة سجناً يعد رسالة ردع واضحة لمن يمارسون "الاستغلال الرقمي"، مؤكدين أن التحدي القادم يكمن في مدى قدرة المؤسسات الوطنية على تحديث القوانين المتعلقة بالجرائم السيبرانية لتواكب سرعة التطور في خوارزميات المنصات العالمية.
من ناحية أخرى، فتحت هذه القضية باباً واسعاً لنقاش مجتمعي حول المسؤولية المشتركة في حماية الفضاء الرقمي، حيث يرى علماء الاجتماع أن تضخم ظاهرة "المؤثرين" نتاج لغياب بدائل إعلامية وثقافية جاذبة للشباب. وفي ظل غياب رقابة ذاتية من المنصات نفسها على المحتوى المنشور في المنطقة، وجدت العائلات التونسية نفسها في مواجهة مباشرة مع تأثيرات خوارزميات "تيك توك" التي قد تروج لمحتويات صادمة أو غير أخلاقية، مما زاد من الضغوط الملقاة على عاتق وزارة العدل والمجتمع المدني لتقديم أطر تنظيمية تحمي خصوصية الأفراد وأمنهم الاجتماعي.
أما على الصعيد التقني، فتواجه تونس صعوبات تقنية ولوجستية في مراقبة الفضاء الرقمي المفتوح، حيث تعتمد هذه الشبكات الإجرامية على شبكات افتراضية خاصة وأدوات مشفرة يصعب تتبعها في بعض الأحيان. وبالرغم من الدعوات الشعبية المتكررة لحجب تطبيقات بعينها، إلا أن خبراء التكنولوجيا يحذرون من أن الحل لا يكمن في "الحظر" التقني بقدر ما يكمن في تعزيز التربية الرقمية والوعي القانوني لدى المستخدمين، لتصبح المسؤولية القانونية حائط صد أول ضد استغلال التقنيات الحديثة في أعمال إجرامية تهدد السلم الاجتماعي.