التحليلات

تركيا بعد عام على الانقلاب الفاشل.. تساؤلات ما زالت عالقة

السبت 2017.7.15 06:56 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 772قراءة
  • 0 تعليق

في 15 يوليو/تموز 2016، تعرضت تركيا لمحاولة انقلاب عسكري كانت ارتداداته كثيرة ومتشعبة فتحت الطريق أمام متغيرات سياسية ودستورية وحزبية جذرية، لكن الواضح أن البلاد ما زالت وسط الأمواج العاتية وأمام امتحان اجتماعي واقتصادي لا يعرف أحد كيف سينتهي. 

في تلك الليلة المشؤومة كان الهدف في العلن هو تكرار محاولة التدخل العسكري المباشر في الشؤون السياسية وهي مسألة تعود عليها الأتراك كونها تتم في كل عقد تقريبا، سواء عبر انقلاب عسكري مباشر أو من خلال توجيه رسائل التحذير والتهديد بتنفيذه وهي شفرات كانت تستقبلها القيادات والأحزاب السياسية التركية على أنها تحصيل حاصل لا يمكن تجاهله من قبل المؤسسة العسكرية. الرد هذه المرة كان مختلفا وتم تلقين الانقلابيين الدرس اللائق، لكن جملة من الأسئلة والتساؤلات برزت إلى العلن أيضا:

التاسعة ليلا في منتصف يوليو العام المنصرم تحركت العديد من الثكنات لتلوح ببدء انقلاب عسكري جديد ضد حكومة العدالة والتنمية والرئيس التركي رجب طيب أردوغان اللذين يديران شؤون البلاد منذ عام 2002 ويعلنان دائما أنهما حققا الإنجازات السياسية والاقتصادية الضخمة في الداخل ورفعا موقع ودور تركيا الإقليمي والدولي في الخارج. فلماذا يتحرك العسكر ليترك البلاد أمام أزمة السير في المجهول وامتحان عسير لا يعرف أين وكيف سينتهي؟

هل ما زال الشعب التركي موحدا ضد الجماعات الانقلابية كما فعل قبل عام عندما خرج إلى الشوارع والساحات لمواجهة الرصاص والمصفحات بهتافاته وشعاراته المدوية دفاعا عن الديمقراطية لا فرق بين متدين وعلماني وقومي ويساري أو يميني؟ أم أن مشهد غياب المعارضة عن الاحتفالات في أكثر من مكان يعني أن الأزمة تتعمق وتترسخ؟

ما الذي تغير في تركيا بعد محاولة الانقلاب؟ وهل نجحت السلطة السياسية والقوى الحزبية في ترجمة رغبة الشارع أن تكون هي الأخرى موحدة متماسكة في تحصين وحماية هتافات الآلاف الذين تحركوا ضد الرصاص فسقط منهم 250 قتيلا ومئات الجرحى. تركيا تحيي اليوم ذكرى من دفع الثمن بأرواحهم، فهل المشهد تحت سقف البرلمان وفي أروقة السياسة ومقرات الأحزاب هو نفسه أم هناك انقساما في القمة يريد البعض أن ينقله إلى صفوف القواعد مهما كان البديل؟

الأتراك هزموا الانقلابيين هذه المرة ولم يقدموا لهم السلطة على طبق من فضة كما كانت العادة في الستينات والسبعينات والثمانينات لكن تركيا شهدت وما زالت عمليات تغيير أساسية في ظل قوانين الطوارئ تهدف لإعادة هيكلة الدولة كان أهمها الاستفتاء الشعبي في إبريل/نيسان المنصرم على تغيير نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي قبل بفارق أقل من نقطتين وتبعه مسيرة زعيم المعارضة كمال كيليشدار أوغلو سيرا على الأقدام بين مدينتي أنقرة وإسطنبول مطالبا بالعدالة المفقودة كما يقول، فكيف ستكون ارتدادات هذه التطورات الاستثنائية وانعكاساتها على تركيا في الداخل والخارج؟

سؤال آخر محير لماذا لا تعيد الإدارة الأمريكية المتهم الأول في التخطيط والإعداد لهذه المحاولة الانقلابية فتح الله جولن إلى تركيا رغم أن وزارة العدل التركية قدمت لحليفها الأمريكي أكثر من 80 ملفا موثقا كما تقول حول دور الرجل وجماعته في التخطيط والتنفيذ؟

تركيا تحيي الذكرى الأولى لانتصار الشعب وفشل محاولة الانقلاب، لكن القيادات السياسية تقول إن الحرب على الانقلابيين مستمرة حتى ولو طالت وتعرضت لانتقادات خارجية واثرت على علاقات تركيا بالغرب والاتحاد الأوروبي الذي يراقب كل شاردة وواردة. فالأولوية هي كما يقال لتطهير مؤسسات الدولة من أنصار غولن، لكن المشكلة أيضا هي المحاكمات البطيئة لعشرات الآلاف من المتهمين والمسجونين الذين وصل عددهم إلى 50 ألفا على خلفية ارتباطهم بالكيان الموازي المسؤول الأول بنظر الحكومة عن كل ما جرى.

مؤشرات عديدة حول مشهد التأزم تقلق المواطن التركي اليوم فما هي؟

مؤشر أول حول أين هو جولن اليوم؟ في بنسلفانيا الأمريكية منذ عام 1999 مع العشرات من أنصاره. كيف لم تقنع السلطة السياسية التركية حليفها الأمريكي في مسؤولية الرجل في تنفيذ المحاولة الانقلابية؟ ألن تتدهور العلاقات بين البلدين هذا العام أكثر فأكثر طالما أن القضاء التركي يكشف النقاب عن المزيد من المعلومات والوثائق حول تورط الكيان الموازي في هذه العملية، بينما تتجاهل واشنطن الإصغاء إلى ما تقوله أنقرة؟ رأينا جولن نفسه يطل علينا مؤخرا ليقول إنه لا ينوي الهرب من الولايات المتحدة، وسيقبل تسليمه إذا وافقت واشنطن على طلب أنقرة باسترداده، فماذا يعني ذلك؟

مؤشر آخر حول الدور الأمريكي والتهم الموجهة له بالتورط في المحاولة من قبل الكثير من المحللين والإعلاميين الأتراك المقربين من الحكومة على ضوء دور الضباط الأمريكيين الموجودين في قاعدة "إنجيرليك" العسكرية ليلة الانقلاب، أو اتصال القنصلية الأميركية بالمتهم رقم واحد عادل أوكسوز بعد المحاولة الفاشلة أو في قضية "التجسس العسكري" المتعلقة بتوقيف شاحنات تابعة للاستخبارات التركية كانت متجهة لسوريا، واتضح أن قيادات في تنظيم غولن كانت على تواصل مع السفارة الأمريكية وقتها خلال وقوع الحادثة، كما تشير بعض التقارير الإعلامية.

مؤشر ثالث متعلق بمعلومات تتناقلها وسائل الإعلام حول وجود 200 ألف شخص يشتبه باستخدامهم لتطبيق «باي لوك» للرسائل المشفرة الذي تقول الحكومة إن أتباع غولن يستعملونه. تم حتى الآن توقيف 40 ألفا منهم فقط كما يقال. كيف استطاع هذا العدد الضخم استخدام هذا الجهاز في اتصالاته السرية بمثل هذه السهولة دون رصده. هل هذا المشروع هو من صناعة ضيقة لأنصار غولن بمفردهم أم أن هناك فعلاً كما تقول الأقلام والتقارير الأمنية أصابع خارجية ساهمت في التخطيط والتنفيذ . من هي هذه القوى وما هو دورها الحقيقي إذا ما كانت موجودة؟

الرئيس التركي أردوغان يردد أن بلاده لن تتسامح أبداً مع من يضع العراقيل أمام تقدم تركيا ونموّها بحجة حالة الطوارئ التي ستنتهي عندما «تنتهي الحاجة إليها في إطار مكافحة الإرهاب". الحكومة مصمّمة على مواصلة تحركاتها ضد المشاركين في محاولة الانقلاب وهذا ما يجري لكن على خط آخر هناك حراك سياسي دستوري يحمل معه الكثير من علامات القلق في صفوف المعارضة.

لماذا وما الذي تغير سياسيا ودستوريا خلال فترة العام المنصرم؟

- التصويت على تبديل شكل النظام من برلماني إلى رئاسي بصلاحيات واسعة للرئيس تحت غطاء الحاجة إلى سلطة تنفيذية أقوى.

- حالة الطوارئ التي لا تزال قائمة رغم التحذيرات الأوروبية من مشاكل التطبيق التي تطال الحريات والديمقراطية في البلاد.

- تصويت البرلمان الأوروبي قبل أسبوعين بـ471 صوتا مقابل 37 على إقرار توصية بوقف محادثات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي في حال دخل النظام الرئاسي حيز التنفيذ رافقه رسائل مؤسسات اتحادية أخرى تحذر من ابتعاد تركي عن المعايير الواجب احترامها على طريق قبول عضويتها في المجموعة الأوروبية.

- رغم مرور قرابة عام على وقوع محاولة الانقلاب ورغم النفي القاطع للسلطة السياسية ما زالت المعارضة التركية تتمسك بوجود أسئلة عديدة غامضة حول الساعات القليلة التي سبقت المحاولة الانقلابية والتي أدت إلى تقديم موعد ساعة الصفر من الثالثة فجرا إلى التاسعة مساء . حيث يصف كيليشدار أوغلو ما جرى “انقلاب موجه" ومحاولة في إطار منافع جناها البعض. إفادة لأحد الطيارين الذي قصد ظهر يوم المحاولة مقر المخابرات التركية في أنقرة يبلغ عن تحركات وتحضيرات لعمل عسكري خلال ساعات ضد قيادات مدنية حيث نسب إليه قوله: “لقد قلت إنه يمكن أن يكون هناك عمل ضخم وحتى انقلاب، أتذكر جيداً أنني استخدمت كلمة انقلاب“. وهذا ما تتمسك به المعارضة وتصر على إبرازه في التحقيقات لمعرفة طريقة التعامل مع ما قاله الضابط في الساعات التي سبقت إخراج الجنود من الثكنات وتحريك الطائرات ضد أهداف مدنية على رأسها قصف البرلمان التركي.

- ردة فعل الشعب التركي والسلطة السياسية والحزبية بكافة ميولها وتوجهاتها في الساعات الأولى للمحاولة كانت هي الحاسمة والمؤثرة في إفشالها. لكن هناك حقيقة أخرى ينبغي إدراكها وهي أن عملية تطهير مؤسسات الدولة سيما العسكرية من أتباع "الكيان الموازي" لن تكون سهلة بسبب نشاطات بدات قبل عقود والدليل هو ما صدر من مواقف لمسؤولين أتراك تقول إن ما تم إنجازه في المؤسسة العسكرية تحديداً من تطهير لا يتجاوز 30 – 35% في أحسن الأحوال. القناعة هي أن تركيا نجحت في إغلاق باب الانقلابات العسكرية بعد إفشال هذه المحاولة في يوليو 2016. لكن قناعة أخرى تقول إن الخروج من مرحلة ما بعد هذه المحاولة بأقل الخسائر والأضرار هو المطلوب اليوم فكيف سيكون ذلك؟

- جماعة جولن ومسيرتها الحركية التي انطلقت قبل 40 عاما في البلاد نجحت في الاستفادة من دعم أو تجاهل أحزاب اليمين واليسار لنشاطاتها وغض النظر عن تسربها إلى المؤسسات التركية وعمق بنية المجتمع التركي. لا أحد يريد أن يناقش حقيقة هذا التوغل حتى لا يدفع ثمن تجاهله أو تسهيله عملية الاختراق هذه من القيادات السياسية والحزبية والعسكرية . محاسبة ذاتية لا بد منها على طريق بناء تركيا الجديدة.

البعض من الكتاب المقربين من حكومة العدالة والتنمية يرى أن الدرس الواجب استخلاصه في الذكرى السنوية الأولى للتصدي للمحاولة الانقلابية هي أن مكافحة جماعة جولن فقط لن تكون كافية. ما يجب مكافحته هو القوى الغربية وامتداداتها في الداخل، وما أسماه "مراكز الدعاية الظلامية "، ومن ضمنها حزب الشعب الجمهوري، وبعض وسائل الإعلام، وحزب الشعوب الديمقراطي، وعناصر الدولة الموازية، وعملاء الغرب الذين يوجهون السياسة والمجتمع والإعلام كما قال. استراتيجية مواجهة من هذا النوع تحتاج إلى أدلة ملموسة قبل إعلانها وهي حتما ستكون على حساب طرف ضد طرف آخر وستتجاهل الحراك السياسي والاجتماعي والشعبي في الداخل على ضوء نتائج الاستفتاء الأخير على التعديلات الدستورية ومسيرة المعارضة بقيادة كيليشدار أوغلو وما يقال حول ضرورة طرح خطط بديلة في التعامل مع ارتدادات المحاولة تمتص التوتر والانقسام والشرذمة. هذا إلى جانب مراقبة الغرب اليومية للمشهد السياسي والأمني والاجتماعي خصوصا المجموعة الأوروبية التي تلعب ورقة العضوية التركية كوسيلة تأثير وتهديد فأيهما ستختار القيادة السياسية؟

تعليقات