سياسة

ما وراء التوتر التركي الأطلسي

الخميس 2017.11.23 12:06 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 569قراءة
  • 0 تعليق

وضع تمثال مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك، واسم الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان على لائحة الأعداء أثناء مناورات عسكرية إلكترونية لحلف شمال الأطلسي جرت في النرويج، تحت اسم "تريدنت جافلين" أغضب أنقرة والأتراك ووتّر العلاقات بين الجانبين بشكل غير مسبوق .

هناك قناعات تركية بدأت تتفاعل وتنتشر بشكل تدريجي وسريع تلتقي عند حقيقة أن هذا التوتر لن يمر بسهولة، وأن أسبابه وارتداداته ستقود إلى مرحلة صعبة من العلاقات التركية الأطلسية، هذا إذا لم نشأ التحدث عن القطيعة والطلاق بعد علاقة مضى عليها حوالي 70 عاماً .

أحد أفراد الطاقم الفني التابع للمركز العسكري المشترك في النرويج المشرف على تصميم نماذج المحاكاة للسيرة الذاتية لقادة العدو، قام بوضع تمثال لأتاتورك، مع السيرة الذاتية لأحد قادة العدو.

وأحد الموظفين المدنيين المتعاقدين مع الجيش النرويجي، قام بفتح حساب باسم "رجب طيب أردوغان" في برنامج محادثة أثناء دروس المحاكاة، لاستخدامه في التدريب على "إقامة علاقات مع قادة دول عدوة والتعاون معها".

ومع انتشار خبر الحادثتين أعلنت تركيا سحب جنودها المشاركين في المناورات، وقررت التحرك على أعلى المستويات لدى حلف الأطلسي للكشف عن الفاعلين ومعاقبتهم، لكن هناك قناعة تركية أخرى تقول إن السيناريو المطروح في المناورات الإلكترونية مقدمة لسيناريو عملي على الأرض هذه المرة ينفذ في العام المقبل .

الأمين العام لحلف الأطلسي ينس ستولتنبيرغ اعتذر رسمياً حول ما جرى، وكذلك قيادات سياسية وعسكرية نروجية، لكن البعض في تركيا يطالب بحضور الأمين العام للحلف مباشرة إلى أنقرة وتقديم اعتذاره شفوياً أيضا .

تركيا محقّة في استنكارها وإدانتها إلى أبعد الحدود، لكن هناك قناعات تركية بدأت تتفاعل وتنتشر بشكل تدريجي وسريع تلتقي عند حقيقة أن هذا التوتر لن يمر بسهولة وأن أسبابه وارتداداته ستقود إلى مرحلة صعبة من العلاقات التركية الأطلسية؛ هذا إذا لم نشأ التحدث عن القطيعة والطلاق بعد علاقة مضى عليها حوالي 70 عاما .

هل ستنتهي الأزمة بالاعتذار الرسمي من تركيا على أعلى المستويات داخل حلف الأطلسي، وعلى مستوى القيادات السياسية والعسكرية النرويجية؟، هل الأطلسي نفسه كان ضحية هذا العمل كما يقول البعض، أم أنه كان وسيلة وسبباً في دفع العلاقات التركية الغربية نحو المزيد من التصعيد والتأزم باتجاه القطيعة ؟.

هل هدف واشنطن هو إبعاد تركيا عن الأطلسي الذي التحقت به عام 1952 وباتت اليوم القوة العسكرية الثانية في تعداد جنودها داخله، رغم تراجع موقعها ودورها في استراتيجياته الشرق أوسطية ؟، أم أن الإدارة الأميركية تريد من أنقرة أن تغادر هي من تلقاء نفسها عبر عمليات من هذا النوع ؟.

هل شراء تركيا لصواريخ اس– 400 الروسية هو الذي يجعل منها " دولة عدوة " لحلف الأطلسي؟، أم أن المسألة أكثر تعقيداً وأبعد من ذلك؟، هل هو " خطأ فني " حقاً أم خطوة مدبرة اُرتكِبت بشكل متعمد لتفجير علاقات تركيا والحلف في إطار خطة الرد والرد المقابل على التودد والتقارب التركي من روسيا وإيران؟.

الرئيس التركي أردوغان ينتظر تقرير القيادة العسكرية التركية المفصّل حول ما جرى في النرويج داخل القاعدة الأطلسية ليحدد موقف بلاده السياسي على ضوئه . لكن مؤشرات ما ستقوله أنقرة بات واضحاً من الآن على ضوء ردود الفعل والمواقف الغاضبة في الحكم والمعارضة على السواء .

الناطق الرسمي باسم الحكومة التركية بكير بوزداغ، وبعد اجتماع مطول عُقِد برئاسة أردوغان، يقول " لا يمكن أن نقبل بمثل هذا الهجوم الدنيء"، والوزير التركي المكلف بالعلاقة مع الاتحاد الأوروبي عمر شليك يردد "قد يكون حادثاً فردياً لكن هناك قيادات عسكرية والكثير من المشرفين والمراقبين لأعمال المناورات في الأطلسي لابد أن يُحاسبوا أيضاً " .

أصوات تركية تقول إن بين الأسباب الخفية لما جرى :

- تجاهل الحلف لكل الخدمات التي تقدمها تركيا كثاني أكبر جيش هناك، والمجازفة في عمليات أممية ودولية في لبنان والبلقان وأفغانستان. فتلك هي التضحيات التي قدمتها أنقرة وهذا هو رد حلف الناتو...

- بعض الأعضاء الفاعلين في الحلف كالولايات المتحدة وألمانيا يفرضون حظرًا على إرسال بعض أنواع السلاح إلى تركيا لمعاقبتها على سياساتها ومواقفها الداخلية والإقليمية .

- هناك محاولات جادة في صفوف الكثير من العواصم الغربية لتهميش دور تركيا داخل النظام الأمني الغربي بسبب توسيع رقعة علاقاتها بدول إقليمية ما زالت تشكل في سياساتها ومواقفها تهديداً للحلف ولمصالحه .

قناعات تركية أخرى تردد :

- ما يجري له علاقة بمحاولة واشنطن تمرير رسالة إلى أنقرة مفادها "إذا اشتريتم منظومة " إس - 400 " لن نسمح لكم باستخدام مقاتلات " إف-35 " المتطورة ". قد تكون رسالة أميركية عبر الأطلسي لتركيا متعلقة مباشرة بالتحول الجذري والمتلاحق في تراجع سياستها الغربية على حساب انفتاحها أكثر فأكثر على روسيا وإيران.

الهدف الأميركي هنا قد يكون التلويح بلعب ورقة الصفقة المعقودة بين أنقرة وواشنطن لشراء تركيا حوالي 140 طائرة أميركية من طراز أف – 35 المتطورة والمعدّلة بقيمة 11 مليار دولار ونصف خلال الأعوام الخمس المقبلة، واستعداد الإدارة الأميركية لحرمان أنقرة من تجديد وتحديث أسطولها الحربي الجوي إذا ما تمسكت بالتعاون والتنسيق العسكري مع روسيا .

- التباعد التركي الأميركي قد يفرح روسيا لكنه يتركها أمام ورطة المطلب التركي بتقاسم تكنولوجيتها العسكرية مع أنقرة وليس في موضوع الصواريخ الدفاعية الاستراتيجية بل بتزويدها بأحدث طراز مقاتلاتها الجوية من طراز ‏A -100 Premier.

- قناعة تركية تتفاعل بعد الحادثة أيضاً : ربما البعض يريد دفع الأتراك لإضرام النار بأعلام الحلف في ميدان تقسيم باسطنبول . وإذا ما أخذنا بما يقول بعض الأقلام والكتّاب الأتراك اليوم فعلى تركيا مغادرة الحلف فوراً  .

تقارير إعلامية تركية ارتفع عددها في الساعات الأخيرة حول نظريات المؤامرة والاستهداف . . الغرب غاضب ويريد معاقبة تركيا بسبب خروجها عن "بيت الطاعة الغربي"، تركيا وُصِفت دائماً بأنها دولة زراعية بالمقياس الأوروبي للأمور والآن هي تريد الانتقال إلى التصنيع الحربي وبيع منتجاتها وهذا يكفي كما يقال لإيقافها عند حدها .

أقلام تهدد وتتوعد .. الأطلسي سيدفع ثمناً باهظاً بإغضابه لتركيا فهو سيفقد " عينه الإلكترونية " في أهم المواقع الجيواستراتيجية داخل الأراضي التركية التي ترصد دول الجوار عبر رادارات عملاقة متطورة منتشرة في أكثر من مكان، تصل خدماتها إلى إسرائيل نفسها، هل العواصم الغربية جاهزة لتحمل عواقب مغامرة من هذا النوع ؟.

عندما يقول مساعد وزير الخارجية الأميركي السابق فيليب كراولي إن واشنطن وأنقرة هما وجهاً لوجه أمام إنهاء سنوات طويلة من التحالف والشراكة الواعدة، وأن تركيا فقدت صورتها السابقة في الغرب،  وعندما يقول أردوغان إن " مثل هذا السلوك المهين لا يمكن التسامح معه بسهولة .. " هناك أخطاء لا يرتكبها حمقى، ولكن يرتكبها أناس بلا أخلاق " ، وعندما تعلن وزارة الخارجية التركية أنها ستتابع عن كثب الإجراءات العقابية ضد المتورطين في الحادثة، وتعلن النيابة العامة في العاصمة التركية أنقرة أنها فتحت تحقيقاً بحق المتورطين بالحادثة، فهذا يعني أن المسألة أبعد من أن تكون مجرد خطأ غير متعمد أو بطابع فردي.

هذه الحادثة لم تكن سوى حلقة جديدة من مسلسل التوتر المتصاعد في السنوات الأخيرة بين تركيا والحلف الذي يتهم أنقرة بالابتعاد أكثر نحو روسيا، ووصل إلى تحذيرات أطلقتها نائبة مستشار القوات الجوية الأميركية، هايدي غرانت، أن إصرار تركيا على شراء منظومة "إس 400" سيؤدّي إلى الحد من وصولها إلى التقنيات العسكرية التابعة للحلف، فهذا يعني أميركيا أنه سيتم اتخاذ تدابير فيما يخصّ شراء واستخدام الجيل الخامس من المقاتلات إف 35" الأميركية .

القيادي التركي المعروف في صفوف حزب العدالة والتنمية محمد علي شاهين، قام بتحميل الأطلسي مسؤولية الكثير من الانقلابات أو محاولات الانقلاب في تركيا على مدى عشرات السنين، لكن هناك من يتساءل كيف مرت هذه العملية على الضباط الأتراك المتواجدين على مدار الساعة في قيادة الأطلسي يتابعون بدقة كل شاردة وواردة ويعطون رأيهم، وهناك من يسأل في المعارضة أيضاً من المستفيد في تركيا من هذا التوتر ومن الذي سيجيره إلى صالحه كانتصار سياسي؟.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات