في السنوات الأخيرة، وبرغم كيد الكائدين، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة، لأيّ مراقبٍ منصف، بوصفها فاعلًا دبلوماسيًا محوريًا في جهود إحقاق السلام على الساحة الدولية.
ولا يقتصر هذا الدور على القضايا الإقليمية فحسب، بل أيضًا في صراعات عالمية معقّدة تتطلّب بناء جسور الحوار بين أطراف متنازعة.
وتُجسّد المحادثات الثلاثية التي أطلقتها دولة الإمارات بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا مثالًا واضحًا على هذا الدور، بما يعكس تنامي ثقة المجتمع الدولي في النهج الإماراتي القائم على دعم دبلوماسية فاعلة ومسؤولة.
حيث أعلنت دولة الإمارات، في 23 يناير/كانون الثاني 2026، استضافتها محادثات ثلاثية بين روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا في أبوظبي، وذلك في إطار جهودها الرامية إلى تعزيز الحوار وإيجاد حلول سياسية للأزمة الأوكرانية المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات، والتي خلّفت معاناة إنسانية جسيمة.
وقد جاء هذا الإعلان أن الإمارات ترتبط بشراكات استراتيجية راسخة مع جميع الأطراف، بما يمكّنها من الاضطلاع بدور موثوق في استضافة الحوار، في لحظة دولية تتزايد فيها الحاجة إلى دبلوماسية جادّة وفعّالة.
وتهدف هذه المحادثات، كما أكدت دولة الإمارات، إلى دعم التوصل إلى تسوية سياسية وسلمية للأزمة الأوكرانية، من خلال تعزيز التفاهم وتقريب وجهات النظر بين الأطراف الثلاثة.
وقد شدّد الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي على قناعته الراسخة بأن الحلول المستدامة للنزاعات لا تتحقق إلا عبر الحوار وخفض التصعيد، وهو نهج ثابت في السياسة الخارجية الإماراتية، يقوم على بناء جسور دبلوماسية بين الخصوم بدل الانخراط في منطق الاستقطاب.
وإلى جانب استضافتها لهذه المحادثات، تمتلك دولة الإمارات سجلًا طويلًا في مجال الوساطة الإنسانية والدبلوماسية، حيث نجحت في إنجاز عدد كبير من عمليات الوساطة لتبادل الأسرى، أسفرت عن إطلاق سراح آلاف الأسرى. ويعكس هذا النجاح عمق العلاقات التي تجمع الإمارات بكلا البلدين، وقدرتها على أداء دور الوسيط الموثوق في المسارات الإنسانية والسياسية الحسّاسة.
وقد سلّطت هذه المبادرة الضوء على النهج الإماراتي في إرساء السلام الدولي، وهو نهج يرتكز على الثقة المتبادلة والتعاون الاستراتيجي مع مختلف الفاعلين، بما يتيح تيسير الحوار في نزاعات عالية التعقيد، كما يعكس هذا الدور فهمًا دقيقًا لطبيعة العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تتداخل الأبعاد السياسية والعسكرية والإنسانية، وتستدعي حلولًا تتجاوز المقاربات الأمنية الضيقة نحو بناء تسويات وسطية تُفضي إلى وقف نزيف الصراعات.
وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى استضافة دولة الإمارات لهذه المفاوضات باعتبارها جزءًا من إسهام أوسع في إدارة الصراعات الدولية، يتجاوز حدود الوساطة التقليدية ليشمل دعم الأطر السياسية والحوار الاستراتيجي. وهو ما يُبرز مكانة الإمارات كمنصة عالمية للحوار بين القوى الكبرى، انسجامًا مع رؤيتها الرامية إلى تعزيز السلم والاستقرار على الصعيدين الإقليمي والدولي.
ختامًا، يتجلّى دور الإمارات في إسهامها الفاعل في السلم الدولي بوصفه إحدى السمات البارزة لسياستها الخارجية المعاصرة. فقد نجحت دولة الإمارات في ترجمة الثقة الدولية المتنامية بمكانتها إلى منصات حوار عابرة للصراعات، تُعزّز الدبلوماسية الوقائية في حلّ النزاعات، وتؤكد أن السلام المستدام لا يُبنى بالقوة، بل بالاستماع، والتقريب، وبناء الثقة بين الأطراف المتنازعة.
الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة