سياسة

روسيا وبريطانيا 2018.. تسميم سكريبال يشعل أزمة عالمية

الثلاثاء 2018.12.25 09:20 مساء بتوقيت أبوظبي
  • 304قراءة
  • 0 تعليق
بوتين وماي وسيرجي سكريبال

بوتين وماي وسيرجي سكريبال

ربما يكون توتر العلاقات بين بريطانيا وروسيا ليس أمرا جديدا على البلدين، فهما تعيشان تلك الحالة منذ عام 2006 إثر مقتل الجاسوس الروسي السابق ألكسندر ليتفنينكو في لندن، لكنّ عام 2018 كان مختلفا في قوة التصعيد.

وشهدت علاقة لندن وموسكو خلال العام الذي يلملم أوراقه فصلا جديدا من التأزم على خلفية تعرض الجاسوس السابق سيرجي سكريبال، لمحاولة اغتيال باستخدام أحد غازات الأعصاب عالية السمية.

وعثرت الشرطة البريطانية في مارس/آذار الماضي على الجاسوس الروسي السابق وابنته يوليا فاقدي الوعي على مقعد حديقة في مدينة سالزبوري البريطانية، وكانا في "حالة حرجة"، وسرعان ما وجهت أصابع الاتهام إلى موسكو، على اعتبار أن تاريخها حافل بحوادث اغتيالات وقعت داخل لندن.

تاريخ من القتل

صحيفة "الجارديان" البريطانية أبرزت في تقرير لها حوادث سابقة في تاريخ العلاقات البريطانية الروسية، بدت غامضة واستخدمت فيها أساليب وأدوات غير مألوفة للقتل.

وتعد عملية استهداف جورجي ماركوف، بلغاري منشق، في سبتمبر/أيلول 1978 إحدى أكثر حوادث الحرب الباردة ترويعا، حيث جرى استهدافه بمظلة مزودة بـ"سم الريسين".

أما عميل الاستخبارات الروسية السابق ألكسندور ليتفينينكو فأثار حادث تسميمه كارثة دولية بعد استهدافه بمادة البولونيوم المشع داخل أحد الفنادق الواقعة غرب لندن في نوفمبر/تشرين الثاني 2006، وأنكر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تورط بلاده في الحادث، ورفض تسليم قاتليه.

وفي مارس/آذار 2012 نجا المصرفي الروسي المنفي جوربنتسوف من محاولة اغتيال أثناء خروجه من سيارة أجرة شرق لندن، حيث أطلق عليه النار 4 مرات من سلاح كاتم للصوت. وكان جوربنتسوف متورطا في نزاع مع اثنين من شركائه السابقين، وتم اتهام موسكو في الحادث أيضا.

ثم في نوفمبر/تشرين الثاني 2012 استهدف رجل الأعمال ألكسندر برياليشني بمادة كيماوية سامة، بسبب مساعدته في كشف عملية غسل أموال روسية بقيمة 230 مليون دولار.

إضافة إلى الملياردير المنفي بوريس بيريزوفسكي الذي عثر عليه مشنوقا في مارس/آذار 2013، بعدما قضى أكثر من عقد زمني يشن معركة إعلامية ضد بوتين.


وتم العثور على سكريبال وابنته فاقدي الوعي على مقعد حديقة في سالزبوري البريطانية، وأفادت تقارير بأنه تم تسميمهما باستخدام غاز الأعصاب "نوفيتشوك"، واتهمت بريطانيا روسيا بالوقوف وراء هذا الهجوم، وهو ما نفته موسكو مرارا.

وتلا ذلك أن تعرض رجل وامرأة قرب بلدة "سالزبوري" في جنوب بريطانيا خلال يوليو/تموز 2018 لحالة من فقدان الوعي، إثر تعرضهما لمادة مجهولة حددت فيما بعد بأنها غاز الأعصاب المعروف باسم "نوفيتشوك" الذي استخدام خلال الهجوم على الجاسوس الروسي السابق وابنته. 

ضربة دولية

أزمة الجاسوس الروسي السابق سيرجي سكريبال ليست أول فصل في كتاب توتر العلاقات بين روسيا وبريطانيا، إذ يعود ذلك إلى زمن طويل، لكن الاختلاف أن هذه الأزمة الحديثة تعد الأضخم تاريخيا.

وصدرت أوامر لأكثر من 150 دبلوماسيا روسيا بمغادرة الولايات المتحدة ودول أوروبية وأخرى في حلف شمال الأطلسي وغيرها من الدول، في إجراء منسق تضامنا مع بريطانيا على خلفية تسميم سكريبال.

وبدأت واشنطن الرد بطرد 60 موظفاً في البعثات الروسية في أرجاء البلاد، ثم في بعثة روسيا بالأمم المتحدة، كما قررت إغلاق القنصلية الروسية في سياتل، بسبب قربها من قواعد غواصات أمريكية ومصنع تديره شركة بوينج العملاقة.

وحينها صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض سارة ساندرز بأن "واشنطن وحلفاءها يتصرفون ردا على استخدام روسيا لسلاح كيميائي عسكري على أراضي المملكة المتحدة".

وأعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج طرد 7 دبلوماسيين روس ورفض اعتماد 3 آخرين، جميعهم في مقر الحلف في بروكسل، قائلًا: "هذا الأمر سيوجه رسالة واضحة إلى موسكو بأن هناك عواقب لسلوكها غير المقبول والخطير"، مشيرا إلى أن الحد الأقصى لحجم البعثة الروسية إلى الحلف سيخفض أيضا بنسبة الثلث من 30 إلى 20 فردا.

وقررت 18 دولة أعضاء في الاتحاد الأوروبي طرد دبلوماسيين روس في حملة منسقة تضامنا مع بريطانيا بعد تسميم الجاسوس الروسي السابق، وأصدرت دول الاتحاد الـ28 بياناً قالت فيه إنها توافق على ترجيح وقوف روسيا وراء تسميم الجاسوس سكريبال وابنته في مدينة سالزبوري الإنجليزية، وأمرت باستدعاء سفير الاتحاد في موسكو.


وأعلنت كل من ألمانيا وفرنسا وبولندا طرد 4 دبلوماسيين، بينما طردت جمهورية تشيكيا وليتوانيا 3 دبلوماسيين، فيما طردت إيطاليا وإسبانيا والدنمارك وهولندا دبلوماسيين اثنين، في حين طردت بلجيكا وكرواتيا وإستونيا وفنلندا والمجر وأيرلندا ولاتفيا ورومانيا والسويد دبلوماسيا واحدا.

هذه مجموعة فقط من بين عدة دول اتخذت موقف الدول الأوروبية وأمريكا نفسه حيال روسيا، لكن الأخيرة أيضا لم تقبل الأمر واتخذت هي الأخرى إجراءات للرد تمثلت في طرد 23 دبلوماسيا بريطانيا، وأغلقت القنصلية البريطانية في سان بطرسبورج، وأوقفت نشاطات المجلس الثقافي البريطاني. 

وحينها أيضا كشفت وزارة الخارجية الروسية أن "23 من أفراد الطاقم الدبلوماسي للسفارة البريطانية في موسكو أعلنوا أشخاصا غير مرغوب فيهم، وسيتم طردهم خلال الأسبوع، بعدما استدعت السفير البريطاني لوري بريستو لإبلاغه القرار".

وأوضحت الوزارة أن هذا الإجراء جاء رداً على "الأعمال الاستفزازية" التي قامت بها لندن، و"اتهاماتها التي لا أساس لها بشأن حادث 4 مارس/آذار في سالزبوري"، في إشارة إلى تسميم سكريبال وابنته. 

غاز الأزمات

أما غاز الأعصاب المستخدم في حادث الجاسوس الروسي والبريطانيين، اسمه "نوفيتشوك"، فيعد أحد أندر غازات الأعصاب في العالم الذي يؤدي إلى القتل عبر التأثير على الجهاز العصبي وإبطاء نبضات القلب.

عمل الاتحاد السوفيتي على تطويره أولا في السر خلال الحرب الباردة في فترة الثمانينيات، كوسيلة للتصدي لدفاعات الأسلحة الكيميائية الأمريكية، لكن كشف عنه العالم الروسي السابق فيل ميرزايانوف.

وقال ميرزايانوف لشبكة "سي إن إن" إن فاعلية نوفيتشوك أقوى عشرة أضعاف من قوة غاز "في إكس" (VX)، وهو السلاح الذي استخدم في قتل الأخ نصف الشقيق لزعيم كوريا الشمالية عام 2017.

سلاح القتلة

تحقيق صحفي بريطاني أزاح الستار عن أن أحد القتلة المطلوبين في بريطانيا بتهمة محاولة اغتيال الجاسوس الروسي سيرجي سكريبال وابنته يوليا هو الكولونيل الروسي أناتولي فلاديميروفتش تشيبيجا الحاصل على وسام "بطل روسيا الاتحادية".

وخلص التحقيق الذي أجرته منظمة "بيلينج كات" البريطانية للتحقيقات الصحفية إلى أن تشيبيجا انتحل شخصية "روسلان بوشيروف"، وزار مدينة سالزبوري، حيث يعيش سكريبال تحت ادعاء زيارته لمعالم المدينة برفقة "ألكساندر بيتروف" غير المعروف هويته بعد، بل وأصر كلاهما على عدم وجود أي صلة لهما بهجوم غاز الأعصاب "نوفيتشوك".


وأشار التحقيق، الذي أجرته المنظمة بالتعاون مع صحيفة "تليجراف"، إلى أن تشيبيجا (39 عاما) هو قائد في مخابرات الجيش الروسي وحائز أعلى وسام وطني في البلاد، وتسلمه في 2014 خلال احتفالية اتسمت بالسرية شخصيا من الرئيس فلاديمير بوتين، ما يكذب ادعاء الرئيس الروسي بأن المتهمين في قضية سكريبال ليسوا إلا "مدنيين" أبرياء.

وقال ضابط سابق في الجيش الروسي -لم يذكر اسمه- للصحيفة البريطانية إن الرتبة الرفيعة والخبرة اللتين يتحلى بهما الكولونيل الروسي تشيبيجا تشيران بشدة إلى أن العملية جاءت من أعلى مستوى في موسكو، مضيفا أن محاولات الاغتيال الأقل أهمية يتم تنفيذها على يد ضباط أقل رتبة.

تعليقات