«الحر الشديد يهدد الأمن الغذائي».. تقرير أممي يكشف المخاطر
تتزايد تأثيرات موجات الحر الشديدة إلى أبعد مما نتصور.
في يوم 22 أبريل/نيسان 2026، خرج تقرير "الحرارة الشديدة والزراعة" (Extreme heat and agriculture)، وهو أممي مشترك بين "منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" (FAO) و"المنظمة العالمية للأرصاد الجوية" (WMO)، ويشرح التقرير كيف تؤثر الحرارة الشديدة على الزراعة والإنتاج الغذائي عالميًا.
ويأتي هذا التقرير للتأكيد على الحاجة الملحة لاتخاذ إجراءات ملموسة؛ حفاظًا على الأمن الغذائي العالمي المُهدد نتيجة تسارع التغيرات المناخية، وارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية المستمر. ويأتي هذا التقرير قبل انطلاق الدورة الحادية والثلاثين من مؤتمر الأطراف المعني بتغير المناخ (COP31)، المقرر إقامته في مدينة أنطاليا في تركيا خلال نوفمبر/تشرين الثاني 2026.
وفي هذا الصدد، يقول "مارتيال بيرنو" (Martial Bernoux) مسؤول الموارد الطبيعية في "منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" لـ"العين الإخبارية": "لم يعد الحر الشديد مجرد خطر مناخي، بل بات يُعيد تشكيل النظم الزراعية الغذائية"، ويُضيف: "يطلب ذلك تحركًا جماعيًا عاجلًا في COP31؛ لحماية الإنسان وكوكب الأرض على حد سواء".
- الإمارات تؤكد أهمية ضمان حرية الملاحة لدعم الأمن الغذائي العالمي
- الحرب تصل لموائد الطعام.. أزمة الطاقة تهدد الأمن الغذائي العالمي
حرارة شديدة
يُشير مصطلح "الحر الشديد" (Extreme Heat) إلى حالة ترتفع فيها درجات الحرارة نهارًا وليلًا فوق المعدلات المعتادة لفترة طويلة من الزمن، ما قد يتسبب في الإجهاد الفسيولوجي وبعض الأضرار المادية للمحاصيل الغذائية والماشية والأسماك والأشجار، وكذلك البشر الذين تتأثر صحتهم بصورة خاصة بفعل موجات الحر الشديدة، ويتمثل ذلك في تزايد حالات أمراض القلب والإجهاد الحراري ويتأثر الجلد والجهاز العصبي والهضمي.
يتناول التقرير تأثيرات موجات الحر الشديدة على النظم الزراعية وكيفية تفاعلها مع الأمطار والرطوبة والرياح والجفاف والإشعاع الشمسي، وتأثيرات تلك العوامل على البشر وأنظمة الغذاء الزراعي والمناظر الطبيعية ومصائد الأسماك والغابات والنظم البيئية بصورة عامة؛ خاصة مع زيادة تواتر موجات الحر الشديدة خلال نصف القرن الماضي.
تهديد الأمن الغذائي
درس التقرير العديد من دراسات الحالة التي تتناول تأثيرات موجات الحر الشديدة باختلاف زمان ومكان حدوثها. على سبيل المثال، في ربيع العام 2025، شهد جزء من سلسلة جبال فرغانة في قيرغيزستان موجة حر شديدة، خلالها وصلت درجة الحرارة إلى 30.8 درجة مئوية، وهي أعلى بعشر درجات من المعدل الطبيعي، واستمرت تلك الموجة لفترة طويلة أدت إلى في نهاية المطاف إلى حدوث صدمة حرارية لمحاصيل القمح والفاكهة، ما ساهم في انتشار الجراد وزيادة في معدل التبخر وترتب على ذلك قلة قدرة الري، كل تلك العوامل قادت في نهاية المطاف إلى انخفاض محاصيل الحبوب بنسبة 25%.
وقد تتسبب الحرارة التي تتجاوز 30 درجة مئوية وأقل من ذلك لبعض الأنواع من المحاصيل مثل البطاطا أو الشعير إلى تأثيرات سلبية تتمثل في ضعف جدران الخلايا وعقد حبوب اللقاح وإنتاج مركبات مؤكسدة سامة. أما في ظل درجات الحرارة المرتفعة؛ تتأثر عملية البناء الضوئي والتنفس في الأشجار، ما يؤثر سلبًا على توازن الطاقة وتباطؤ النمو وانخفاض امتصاص الكربون من الغلاف الجوي.
وأكد التقرير أيضًا على العلاقة الوثيقة بين موجات الحر الشديدة وزيادة تواتر حرائق الغابات، ما قد يتسبب في طول مواسم الحرائق وزيادة شدتها، وفقدان الغابات لا يعني فقط فقدان الغذاء الذي يحصل الإنسان عليه من الغابات، بل أيضًا خسارة نُظم بيئية كاملة تلعب دورًا محوريًا في دعم الحياة على سطح الأرض.
هامش أمان حراري أقل
وأشار التقرير أيضًا إلى أنّ ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية وتزايد شدة موجات الحر، قد أدى إلى تضييق "هامش الأمان الحراري"، وهو الفرق بين درجة الحرارة التي يعمل عندها الكائن الحي بكفاءة ودرجة الحرارة التي يبدأ حدوث خلل عندها، ما يُهدد بقائها، بعبارة أخرى، إنها المساحة الآمنة من درجات الحرارة التي يستطيع الكائن الحي خلالها القيام بوظائفه الحيوية. ومع تضييق نطاق هامش الأمان الحراري، يصبح الكائن أكثر عرضة للإجهاد الحراري.
ووفقًا للتقرير؛ فإنّ شدة موجات الحر الشديدة تتضاعف عند ارتفاع درجة حرارة الأرض بمقدار درجتين، وتتضاعف 4 مرات عند ارتفاعها بمقدار 3 درجات؛ مقارنة بزيادة تصل إلى 1.5 درجة مئوية في متوسط درجات الحرارة العالمية، والتي يدعو الهدف رقم 2 من اتفاق باريس إلى الحد من درجات الحرارة العالمية إليها.
معاناة الماشية والدجاج والأسماك
عند تجاوز درجات الحرارة 25 درجة مئوية، وجد التقرير أنّ معظم أنواع الماشية الشائعة تبدأ في الإجهاد، ويتأثر الدجاج عند درجات حرارة أقل من ذلك بقليل؛ خاصة وأنها من الكائنات الحية التي لا تستطيع تبريد أجسامها عبر التعرق. تلك المعاناة تدفع الحيوانات إلى اللجوء أولًا إلى الظل وشرب المزيد من المياه وتُقلل من تناول الطعام والحركة.
ومع استمرار التعرض للحرارة المرتفعة، يمتد الضرر إلى اضطرابات في الجهاز الهضمي وفشل في الأعضاء وصدمة قلبية وعائية. وبعض الأضرار الأخرى التي تطول الحيوانات، مثل قلة إنتاج الألبان ومحتوى الدهون والبروتين، ما يزيد من البصمة الكربونية للأغذية ذات المصدر الحيواني.
كما ذكر التقرير تأثيرات موجات الحرارة الشديدة على الأسماك، التي تُعد أحد أهم مصادر الغذاء والدخل؛ إذ تعاني الأسماك -في ظل موجات الحرارة الشديدة التي تُقلل من مستويات الأكسجين المذاب- من فشل قلبي؛ نتيجة لمكافحتها الحفاظ على معدلات تنفس مرتفعة في المياه. ففي العام 2024، شهد نحو 91% من محيطات العالم موجة حر بحرية واحدة على أقل تقدير.
نصف تريليون ساعة عمل
وقد تتسبب موجات الحر الشديدة في تعطيل سُبل العيش وصحة ما يزيد عن مليار شخص، بل ويتفاقم الوضع إلى ضياع نحو نصف تريليون ساعة عمل سنويًا. إضافة إلى ذلك، تُلحق موجات الحر الشديدة أيضًا أضرارًا جسيمة للبشر؛ خاصة العمال الزراعيين، الذين يُضطرون للعمل في مواجهة الحرارة مباشرة، وما زاد الأمر خطورة أنّ التقرير قد أشار إلى أنّ عدد الأيام التي يكون فيها الجو حارًا بحيث يتعذر العمل يصل إلى 250 يومًا سنويًا في بعض المناطق مثل أفريقيا الاستوائية في جنوب منطقة الصحراء الكبرى ومعظم أنحاء جنوب آسيا وبعض الأجزاء من أمريكا الوسطى وأمريكا الجنوبية.
يُعد ذلك التقرير جرس إنذار بالمخاطر المنتظرة مع التقاعس عن دعم العمل المناخي والتصدي للظواهر الطقسية المتطرفة التي تُهدد غذائنا وحياتنا.