الاقتصاد الأمريكي.. تحسن ظاهري ومخاطر «ركود تضخمي كامن»
قال تحليل نشرته وكالة بلومبرغ إن التحسن الاقتصادي الظاهري في الولايات المتحدة يخفي تصاعد مخاطر الركود التضخمي.
وأوضح أنه رغم المؤشرات الإيجابية الأخيرة على قوة الاقتصاد الأمريكي، تظهر بيانات المستهلكين والوظائف أن الضغوط على تكلفة المعيشة بدأت تتصاعد مجددًا، ما يثير المخاوف حول الركود التضخمي الكامن وراء أرقام النمو المبهرة.
وتشير أحدث البيانات إلى نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدل سنوي 4.3٪ في الربع الثالث من عام 2025، وهو أكبر ارتفاع منذ أكثر من عامين، بعد زيادة 3.8٪ في الربع السابق. كما سجلت إنتاجية العمال ارتفاعًا سنويًا قدره 4.9٪ خلال ثلاثة أشهر حتى سبتمبر/أيلول، وهو معدل يفوق بكثير متوسط الاتجاه الطويل للولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات مؤشر أسعار المستهلكين أن معدل التضخم الأساسي، الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة، استقر عند 2.6٪، وهو أدنى مستوى منذ أربع سنوات، ما يوحي بأن التضخم تحت السيطرة.
فجوة واضحة
مع ذلك، تكشف استطلاعات الرأي عن فجوة واضحة بين هذه المؤشرات الاقتصادية الرسمية وشعور المواطنين بالواقع.
فقد تراجعت ثقة المستهلكين لمدة 5 أشهر متتالية، وأظهر آخر استطلاع لغالوب أن 24٪ فقط من الأمريكيين راضون عن الوضع الاقتصادي، بينما يرى 47٪ أن الأوضاع الاقتصادية “سيئة”.
هذه النتائج تتناقض بشكل واضح مع التصريحات الرسمية التي تصف الاقتصاد بأنه في أوج الانتعاش.
تناقض واضح
ومن بين العوامل التي تفسر هذا التناقض، ارتفاع أسعار السلع الأساسية والخدمات.
فقد شهدت أسعار المواد الغذائية في ديسمبر/كانون الأول أكبر زيادة شهرية منذ ذروة أزمة تكلفة المعيشة في 2022، في حين تتصاعد فواتير المرافق العامة أيضًا، ما يجعل القدرة الشرائية للأسر تحت الضغط.
أما سوق العمل، فيظهر بيانات مختلطة: فقد أضافت الرواتب 50 ألف وظيفة في ديسمبر/كانون الأول، إلا أن هذا الرقم يعتمد بشكل كبير على القطاعات الصحية والتعليمية الخاصة، إذ كان صافي الزيادة خارج هذه القطاعات لا يتجاوز 9 آلاف وظيفة فقط.
وعلى مدار العام، تم خلق 584 ألف وظيفة صافية، وهو أضعف معدل نمو سنوي منذ أكثر من عقدين خارج فترات الأزمات الكبرى، ما يعكس ضعف تعافي الوظائف في القطاعات الإنتاجية.
الدخل الفردي
وعلى الرغم من أن الدخل الفردي ينمو أسرع من التضخم، فإن حصة العمال من الناتج الاقتصادي الأمريكي تراجعت إلى أدنى مستوى منذ عام 1947، بينما ارتفعت أرباح الشركات بشكل ملحوظ، ما يعكس تزايد فجوة عدم المساواة. وقد ساهمت الاستثمارات الضخمة في مجال الذكاء الاصطناعي في تحسين أرقام الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز أسعار الأصول، لكنها استفادت أساسًا من الطبقة الثرية، دون أن تعكس تحسنًا ملموسًا لشريحة واسعة من السكان.
ويبين هذا الوضع أن ما يبدو على السطح من مرونة اقتصادية في الأرقام الرسمية يخفي تحديات هيكلية حقيقية، منها ارتفاع تكاليف المعيشة، ضعف نمو الوظائف في القطاعات الأساسية، وتراجع حصة العمال من الثروة الوطنية. هذه المؤشرات تضع صناع القرار والمستثمرين أمام معضلة حقيقية: كيف يمكن تحقيق نمو مستدام مع احتواء الضغوط التضخمية والاقتصادية التي تؤثر على حياة الأمريكيين اليومية؟
ويسعى المراقبون لرصد ما إذا كانت هذه “المرونة الظاهرية” ستستمر في خداع المراقبين، أم أن الأسواق والمجتمع سيتجهان قريبًا نحو مواجهة الركود التضخمي الكامن الذي يكشفه شعور المواطنين أكثر من أي رقم رسمي؟