سياسة

واشنطن وتنظيم "الإخوان".. إلى أين؟

السبت 2018.7.14 10:30 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 622قراءة
  • 0 تعليق
عاطف السعداوي

أعادت لجنة الأمن القومي بمجلس النواب الأمريكي، يوم الأربعاء الماضي، فتح ملف جماعة الإخوان المسلمين، وبحثت من خلال جلسة استماع إمكانية وضع الجماعة على لائحة الإرهاب الأمريكية.

 الخطوة الإيجابية التي أقدم عليها مجلس النواب الأمريكي يوم الأربعاء الماضي مثلما لم تكن الأولى، ربما لن تكون الأخيرة، فالنقاش داخل أروقة صنع السياسة الأمريكية حول وضع جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفها كمنظمة إرهابية سيظل مستمرا، فالقرار ليس يسيرا، ولا يخضع لاعتبارات الأمن القومي وحدها

توقيت عقد هذه الجلسة وطبيعة النقاشات التي تمت داخلها تثير الكثير من الأسئلة لعل أبرزها هو: هل أدركت واشنطن مؤخرا خطورة مثل هذا التنظيم على أمنها القومي؟ وهل الولايات المتحدة الأمريكية جادة هذه المرة في تصنيف الإخوان المسلمين كجماعة إرهابية على غرار ما فعلت قوى إقليمية كبرى مثل مصر والسعودية والإمارات؟ أم أنها مناورة جديدة من مناورات السياسة الأمريكية بغية مساومة أطراف بعينها وانتزاع مكاسب في قضايا أخرى محل نقاش حاليا؟

اللافت للنظر في مناقشات الجلسة التي حملت عنوان "بحث التهديد الذي تشكله جماعة الإخوان المسلمين والتنظيمات التابعة لها للولايات المتحدة ومصالحها وكيف يمكن مكافحتها"، أنها اعتبرت أن تنظيم الإخوان يشكل تهديدا مباشرا للأمن القومي الأمريكي، وليس فقط تهديدا لأمن حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية، واعترف رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس النواب الأمريكي أثناء المناقشات بفشل بلاده وسياستها في مواجهة ما تمثله الجماعة من سلوك راديكالي ودعمها للمجموعات المتطرفة في عدة دول في الشرق الأوسط وعلى رأسها الإمارات والسعودية ومصر، كما شدد أعضاء اللجنة على ضرورة وضع جميع تنظيمات الإخوان المسلمين على قوائم الإرهاب، وطالبوا الإدارة الأمريكية، لا سيما وزارة الخارجية، بعدم عرقلة مساعي المشرعين الأمريكيين لوضع الجماعة على لوائح الإرهاب الأمريكية، وكان لافتا أيضا في نقاشات اللجنة أن بعضا من أعضائها أشار إلى أن دولا مثل المغرب والأردن وتونس تدعم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد الإرهاب وضد تنظيم داعش، وذلك في محاولة ذكية لدحض مزاعم المعارضين لإدراج الإخوان على لوائح الإرهاب بحجة وجودهم كمكون في التركيبة السياسية لبعض دول الشرق الأوسط ذات العلاقة الوثيقة مع واشنطن.

وبالإضافة إلى أعضاء اللجنة، شهدت الجلسة الاستماع إلى آراء مجموعة كبيرة من الخبراء والباحثين الذين يمثلون أبرز مراكز التفكير الأمريكية مثل معهد هادسون، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، والمنتدى الإسلامي الأمريكي للديمقراطية، ومركز جون سلون ديكي للتفاهم الدولي بجامعة دراتموث.

لم يكن تحرك لجنة الأمن القومي بمجلس النواب الأمريكي هو الأول للكونجرس الأمريكي على هذا المسار، فقد سبقته محاولات عدة باءت كلها بالفشل كان آخرها في 2016، إذن لماذا يتحرك الكونجرس الآن وبعد مرور نحو عامين من آخر محاولة فاشلة لإقرار تشريع بإدراج الإخوان المسلمين على لوائح الإرهاب الأمريكية؟

في تقديري الشخصي أن التغيرات الأخيرة في الإدارة الأمريكية لعبت دورا كبيرا في إعادة طرح الموضوع على بساط البحث، لا سيما خروج ريكس تيلرسون من وزارة الخارجية ودخول مايك بومبيو بديلا له في أبريل الماضي، فقد كان جليا أن رؤية تيلرسون كانت تتناقض في كثير من توجهاتها مع الأولويات التي وضعها ترامب للسياسة الخارجية الأمريكية، ولعل هذا أدى إلى تضارب جهود الإدارة الأمريكية بل وتناقضها وازدواجها أحيانا في الكثير من الملفات، لا سيما ملف مواجهة الإرهاب والدول والتنظيمات الداعمة له وملف الأزمة الخليجية وملف العلاقة مع طهران.

ولعل خير دليل على ذلك أنه في مارس 2017 ومع بدايات حكم ترامب كان هناك توجه قوي من الإدارة الأمريكية بتسمية جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية"، لكن الإدارة تراجعت عن مسعاها هذا بعد مذكرة لوزارة الخارجية الأمريكية نصحت فيها بعدم الإقدام على هذه الخطوة لأن "بنية جماعة الإخوان بنية متراصة"، وأنه ليس هناك جماعة واحدة من الإخوان المسلمين، وحتى إن كانت بعض التيارات المنتمية لهذه الجماعة على صلة وعلاقة مع حركة حماس، فهي تمارس أنشطة سياسية تحمل طابع الشرعية، كما أن لها حضورا في الشرق الأوسط، ولها أحزاب وقوى فاعلة في المشهد السياسي بعدة دول مثل المغرب والأردن وتونس وعدد من الدول ذات الأغلبية المسلمة.

كان هذا موقف وزارة الخارجية الأمريكية من الإخوان المسلمين أثناء وجود تيلرسون على رأسها، وهو الموقف الذي يمكن وصفه بأنه امتداد لموقف هيلاري كلينتون و"رجالها" في هذه المؤسسة الأمريكية العريقة، وهو موقف كان واضحا أنه يناقض رؤية الرئيس الأمريكي التي أعلنها مرارا وتكرارا، لذا وبمجرد خروج تيلرسون من الإدارة الأمريكية بدا أن ازدواجية صنع القرار الأمريكي بدأت في التلاشي، وبدا أن الإدارة الأمريكية أخيرا أصبحت على قلب رجل واحد، ففي موضوع الموقف من جماعة الإخوان المسلمين يحمل بومبيو رؤية مميزة يبدو أنها الأقرب لرؤية ترامب، وهي رؤية تسبق دخوله الإدارة الأمريكية، فأثناء عضويته في مجلس النواب (2011- 2017) كان هو العضو الأكثر فاعلية في تحريك المجلس ضد جماعة الإخوان المسلمين، فهو تزعم -على سبيل المثال- تحركات اللجنة القضائية في المجلس في عام 2016 والتي انتهت إلى الموافقة على مشروع قانون يعتبر جماعة الإخوان "تنظيما إرهابيا" ويتضمن استبعاد أعضاء الجماعة من الولايات المتحدة بعد ثبوت كل الأدلة على تورطها في تمويل الإرهاب ومنظماته وعملياته داخل الولايات المتحدة وخارجها، وأمهلت اللجنة القضائية وقتها وزارة الخارجية الأمريكية 60 يوما لتحديد موقفها بشأن وضع الجماعة على لوائح الإرهاب، لكن، وكما كان متوقعا، أجهضت الخارجية بمواقفها المعروفة آنذاك هذه المحاولة.

لذا تنتاب الأوساط الإخوانية داخل الولايات المتحدة وخارجها حالة من الخوف والقلق منذ تولي مايك بومبيو منصبه، في ظل مواقفه المعروفة والمسجلة مسبقا من الإخوان المسلمين، وفي ظل الصلاحيات الكبيرة التي يملكها بحكم منصبه، والتي من بينها القدرة على الإدراج في قوائم الإرهاب الأمريكية.

في النهاية، يمكن القول إن الخطوة الإيجابية التي أقدم عليها مجلس النواب الأمريكي يوم الأربعاء الماضي مثلما لم تكن الأولى، ربما لن تكون الأخيرة، فالنقاش داخل أروقة صنع السياسة الأمريكية حول وضع جماعة الإخوان المسلمين وتصنيفها كمنظمة إرهابية سيظل مستمرا، فالقرار ليس يسيرا، ولا يخضع لاعتبارات الأمن القومي وحدها، وإنما تتجاذبه جملة معقدة ومتشابكة من الاعتبارات التي قد ترجح إقراره أو تعرقل تمريره.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات