لبنان وإسرائيل على مائدة أمريكا.. فجوة الأهداف تُعقد مسار التفاوض (خبراء)
تتجه أنظار اللبنانيين نحو واشنطن، ترقبًا لنتائج مفاوضات مباشرة بين بلادهم وإسرائيل، تنطلق، الثلاثاء، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ 43 عامًا، وتأتي على وقع تصعيد ميداني مستمر منذ مارس/آذار الماضي.
مفاوضات اعتبرها خبراء ومحللون تحدثوا لـ«العين الإخبارية» بمثابة فرصة نادرة لوقف الحرب، لكنهم رأوا أنها تصطدم بعقبة أساسية تتمثل في سلاح حزب الله وارتباطه بإيران.
وأشار المحللون إلى أن نجاح المسار التفاوضي مرهون بدعم دولي واسع، وضغط خارجي فعال، إلى جانب قدرة الدولة اللبنانية على استعادة قرارها السيادي.
في المقابل، حذر آخرون من أن استمرار الانقسام الداخلي قد يُفشل أي تسوية، ويُبقي لبنان رهينة التوازنات الإقليمية.
أين تعقد ومن يمثل البلدين؟
وستبدأ المحادثات المباشرة بين الجانبين الإسرائيلي واللبناني في وزارة الخارجية الأمريكية، بحضور يحيئيل لايتر، سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، الذي أصبح في الأشهر الأخيرة موضع ثقة لنتنياهو، ودخل مناطق مخصصة فقط للوزير السابق رون ديرمر، وفق القناة الإخبارية 12 الإسرائيلية.
ويمثل الجانب اللبناني السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة، ندى حمدة معوض، بينما سيشارك مسؤولون أمريكيون كوسطاء، وهم السفير الأمريكي لدى لبنان، ميشيل عيسى، وممثل وزارة الخارجية الأمريكية، مايك نيدهام.
فجوة في الأهداف
وأظهرت البيانات الرسمية الإسرائيلية واللبنانية، بعد الاتصال الهاتفي بين سفيري بيروت وتل أبيب لدى واشنطن مساء الجمعة الماضي، فجوة في المطالب.
وقالت الرئاسة اللبنانية إن السفيرين توافقا على عقد أول اجتماع، الثلاثاء، للبحث في الإعلان عن وقف لإطلاق النار وموعد بدء التفاوض بين لبنان وإسرائيل برعاية أمريكية، فيما قال السفير الإسرائيلي في واشنطن إن اللقاء يهدف «للتوصل إلى اتفاق سلام مع لبنان»، وإن تل أبيب «لم توافق على مناقشة وقف إطلاق النار مع حزب الله».
حزب الله.. عقدة المسار والسيادة
وحول نتائج المباحثات المباشرة المرتقبة بين الجانبين، قال السفير د. هشام حمدان، المندوب السابق للبنان لدى الأمم المتحدة وأستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية، إن غالبية اللبنانيين يتطلعون باهتمام بالغ لانطلاق هذه المحادثات، على أمل أن تسفر عن نتائج إيجابية تنهي معاناتهم الممتدة لأكثر من خمسين عامًا.
وأضاف حمدان لـ«العين الإخبارية» أن «حزب الله حوّل لبنان إلى ساحة عسكرية تابعة مباشرة لقرار الولي الفقيه، وتحول عمليًا إلى لواء من ألوية الحرس الثوري الإيراني، تديره مباشرة قيادة الحرس، وقام بتوفير مواقع ميدانية على الأراضي اللبنانية لإقامة بنى عسكرية وقواعد صاروخية تابعة لإيران، تعمل وفقًا لقراراتها».
وتابع: «تبرز الآن ساعة الحقيقة؛ إذ تذهب إسرائيل إلى المفاوضات لملاقاة حكومة لبنان في مسعاها إلى السلام، فالجانبان لديهما نية الوصول إلى تسوية نهائية، خاصة أن تل أبيب تدرك أن لبنان الرسمي لم يكن يومًا في حالة حرب معها بعد اتفاق الهدنة».
وردًا على سؤال حول موقف حزب الله والتزامه بنتائج المباحثات، قال حمدان: «من الواضح أن الحزب وأنصاره لن يقبلوا بتسوية تخرج سلاحهم من أيديهم، وطالما أن إيران تقاتل وتأمرهم بمتابعة القتال، فسيتابعون الحرب».
وفي ضوء ذلك، أكد الدبلوماسي اللبناني السابق ضرورة وجود دعم أمريكي وأوروبي وعربي مباشر وفاعل لمسيرة السلام.
وبحسب حمدان، فإن ذلك يتطلب دعمًا قويًا للجيش اللبناني لتمكينه من تنفيذ عملية سحب السلاح من حزب الله، بعد أن بات واضحًا أن قسمًا كبيرًا من الأراضي اللبنانية يُستخدم كقواعد عسكرية لا يمكن للجيش مواجهتها بمفرده.
رهانات الحل.. بين الدعم الدولي والانقسام الداخلي
وفي رأي الخبير الاستراتيجي اللبناني، العميد الركن المتقاعد ناهي جبران، فإن نتائج هذه المباحثات يصعب توقعها بسبب تداخل التعقيدات الداخلية والإقليمية والدولية، إضافة إلى المعارضة الشديدة من قبل حزب الله، مؤكدًا أن المفاوضات تبقى الخيار الوحيد المتاح حاليًا لإنهاء هذه الحرب المدمرة.
وقال جبران لـ«العين الإخبارية»: «إن مما يسهم في إنجاح هذه المباحثات كونها ستُجرى بوجود غطاء دولي وأوروبي وعربي، وتحت رعاية أمريكية مباشرة، ما قد يفضي إلى حلول مرضية للطرفين، بدعم الأشقاء العرب وبمزيد من الضغط الأوروبي والأمريكي».
وأشار إلى أن نتائج هذه المباحثات سيكون لها تأثير مباشر على الساحة اللبنانية، في حال جاءت إيجابية وعادلة، بما يحقق أهداف الحكومة اللبنانية ويخدم المصلحة الوطنية العليا، وفي مقدمتها التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار، ووقف جميع الأعمال العدائية على الأراضي اللبنانية وعند الحدود المشتركة، والانسحاب من الأراضي اللبنانية، إلى جانب المطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الحرب.
ورغم موقف حزب الله السلبي والمعلن من إجراء هذه المفاوضات، والتشكيك في نتائجها، يرى جبران أن الحزب قد يعيد حساباته في حال تحقق تقدم فعلي يراعي المصالح اللبنانية.
وبدوره، يرى الباحث والمحلل السياسي اللبناني طارق أبو زينب أن مؤشرات دبلوماسية لافتة برزت، توحي بإمكانية فتح نافذة جدية نحو التهدئة ووقف الحرب في لبنان، في ظل تحركات يقودها الرئيس جوزيف عون.
وقال أبو زينب لـ«العين الإخبارية» إن «تكليف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وزارة الخارجية للقيام بدور الوسيط بين الجانبين يعكس جدية المساعي الدولية لإطلاق مفاوضات لوقف إطلاق النار، قد تتطور لاحقًا نحو مسار أوسع».
وأضاف أن عددًا كبيرًا من المراقبين يرون أن لبنان في هذه المرحلة المفصلية لا يمكن أن يُترك وحيدًا، بل يحتاج إلى غطاء عربي يعزز موقعه التفاوضي ويحمي مصالحه الوطنية.
واعتبر أن الحديث لا يزال مبكرًا عن إمكانية التوصل إلى نتائج إيجابية لمباحثات الثلاثاء، في ظل التحديات الراهنة.
وقال إن «معضلة الحرب والسلم في لبنان لا تنفصل عن غياب القرار السيادي الموحد، حيث يتقاطع قرار الدولة مع نفوذ حزب الله المرتبط بمحور تقوده إيران، ما يضع البلاد أمام معادلة معقدة، يتداخل فيها منطق الحسم العسكري مع منطق المناورة الإقليمية».
وأضاف أن «رغم هشاشة الواقع الداخلي، فإن اللبنانيين يستندون إلى الدستور المتمثل في اتفاق الطائف، الذي يشكل إطارًا لتنظيم عمل المؤسسات، إلى جانب الدور المحوري للجيش اللبناني في حفظ الاستقرار، فضلًا عن الموقع الجيوسياسي الذي يفرض حضور لبنان في أي تسوية إقليمية».
واعتبر أبو زينب أن هذه العناصر تبقى مقيدة بفعل الانقسام الداخلي وازدواجية القرار الأمني، ما يستدعي مقاربة وطنية موحدة تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة وسيادتها.
من جهته، وصف النائب فادي كرم انطلاق مباحثات الثلاثاء بأنها «خطوة تاريخية»، قد يكون لها تأثير مباشر لصالح لبنان في حال التوصل إلى وقف إطلاق النار واتفاق مستدام.
وأوضح كرم لـ«العين الإخبارية» أن التوصل إلى اتفاق بين الجانبين أمر ممكن، إذا جرى الالتزام بشروط قيام دولة فعلية في لبنان، مشددًا على أن الدولة مطالبة بحسم الوضع الأمني على كامل أراضيها.
واعتبر أن الأزمة بين لبنان وإسرائيل ليست معقدة في جوهرها، إذ تتعلق بقضايا محددة مثل الأمن والانسحاب من الأراضي اللبنانية وترسيم الحدود، لكنها تصطدم بإصرار حزب الله على إبقاء لبنان ورقة في يد المشروع الإيراني.
وفيما يتعلق بتطوير اتفاق الطائف، أشار كرم إلى أن هذا الطرح ليس مطروحًا حاليًا، لكنه قد يصبح ضروريًا لاحقًا بعد معالجة ملف سلاح حزب الله وبسط سلطة الدولة.
وكان رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام قد دعا إلى تطوير اتفاق الطائف عند الحاجة، وسد الثغرات التي ظهرت في التطبيق.
وقال سلام، في خطاب ألقاه الأحد عشية ذكرى الحرب الأهلية: «نواصل جهودنا لوقف الحرب، وفي مقدمتها المبادرة التي أطلقها الرئيس جوزيف عون للتفاوض مع إسرائيل، بهدف تمكين مؤسسات الدولة الشرعية من أداء دورها الكامل في حماية لبنان».
ودعا إلى «العودة إلى اتفاق الطائف وتطبيق بنوده كاملة، وتصحيح ما طُبق خلافًا لنصه أو روحه، والعمل على تطويره كلما برزت الحاجة إلى ذلك».
ويُذكر أن اتفاق الطائف، الذي وُقّع عام 1989 في السعودية، وضع حدًا للحرب الأهلية اللبنانية التي استمرت من عام 1975 حتى عام 1990.