سياسة

أبعاد وتداعيات زيارة بومبيو للشرق الأوسط

الخميس 2019.1.10 09:24 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 377قراءة
  • 0 تعليق
د. طارق فهمي

تأتي زيارة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو للشرق الأوسط في توقيت له دلالاته، من حيث الأهمية ومن منظور الترتيبات الأمنية والسياسية التي تسعى الإدارة الأمريكية للتوصل إليها في الفترة المقبلة، خاصة في الملف السوري وكذلك في الترتيبات الاستراتيجية العربية الأمريكية الممتدة في الإقليم بأكمله، إضافة لمناقشة الأفكار الخاصة بالأفكار الأمريكية التي ستطرح في إطار عملية السلام، أو فيما تعرف بصفقة التسوية في الشرق الأوسط، وما يمكن للإدارة الأمريكية طرحه وإعادة تسويقه.

الإدارة الأمريكية ستستمر في إعادة تدوير فكرة الناتو العربي، وإيجاد آلية عربية تضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن لمواجهة التطورات الإقليمية، خاصة التهديدات الإيرانية لأمن الإقليم بأكمله، وهو ما يتطلب التوصل إلى ضبط في المواقف والتوجهات العربية التي يمكن التعامل معها
أولا: من الواضح أن الإدارة الأمريكية مرتبكة في التعامل مع ملف ما بعد الانسحاب الأمريكي من سوريا في ظل اقدام الرئيس الأمريكي ترامب على طرح موعد الانسحاب بعد 4 أشهر، ثم عودته في القرار مرة أخرى وعدم تحديد موعد محدد وهو ما يشير إلى وجود حسابات أمريكية استراتيجية تؤكد عليها وزارتي الدفاع الأمريكي والخارجية، وأنه لا يمكن الانسحاب من سوريا بدون ضمانات وبدون إعادة ترتيب الحسابات الاستراتيجية القادمة في التسوية المقبلة في سوريا، والتي تؤكد على ضرورة مراعاة المصالح الأمريكية في إطار تبادلات سياسية مع الجانب الروسي والتوصل لتفاهمات متماسكة في ملفات أخرى ستكون منها، وعلي رأسها الملف السوري والاتفاق النووي مع ايران والعقوبات في ملف أوكرانيا، وستمر أيضا بالموافقة الروسية على خطة التحرك الأمريكي في السلام في الشرق الأوسط، وعدم التحفظ على مضمونها، وستنتهي في تسويات أخرى في ملف أمن الخليج ومناطق النفوذ في مناطق أخرى في الجنوب إضافة لمراعاة المصالح الإسرائيلية التي عبر عنها رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو بوضوح أمام مستشار الأمن القومي جون والخاصة بإيران بالأساس، وما تمثله من تهديدات حقيقية للأمن القومي الإسرائيلي في سوريا في حال الانسحاب الأمريكي والبدء في اجراء تسويات تتخوف إسرائيل من تداعياتها رغم ما تقوم به من إجراءات انفرادية في سوريا، ورغم التضييق الروسي الراهن والمرتبط بدعم القدرات السورية والتي اتضحت مؤخرا في الرد السوري على الهجوم الإسرائيلي، ومن ثم فإن الإدارة الأمريكية ستنصت جيدا للمتطلبات الإسرائيلية، خاصة أن التحركات الأمريكية الراهنة، والتي تتضح من جولة وزير الخارجية الأمريكية مايك بومبيو ستركز على المصالح الأمريكية المشتركة في اطارها الثنائي والمتعدد، ومن خلال دور متنامي لن يقتصر على التعاون في الملف السوري بل سيمتد لملفات أخرى هم الجانب الإسرائيلي.
ثانيا: من الواضح جليا أن الإدارة الأمريكية تبحث عن صيغة أمنية لمليء الفراغ القادم، وهناك أفكار أمريكية اتضحت في هذا السياق قبل واثناء إعادة ترويج وتسويق الأفكار الأمريكية، والتي تركز على ضرورة وجود قوات بديلة تدخل على خط مسرح العمليات تحل محل القوات الأمريكية التي ستخرج من سوريا في ستة مواقع استراتيجية، وبعض المناطق الأخرى المجاورة، وتقترح الإدارة الأمريكية بناء على توصيات وزارة الدفاع قوات عربية مدربة، ومن خلال مهام متعددة وهو الأمر الذي سيتم التعامل معه عربيا بحذر في الوقت الراهن، خاصة أن العلاقات العربية السورية تمر في إطار مراجعات كاملة مع حرص عربي على استعادة سوريا كدولة ونظام راهن بصرف النظر عن الإجراءات التي بدأتها بعض الدول العربية في أطر مختلفة سواء بخطوة فتح السفارات العربية، أو إعادة خطوط الطيران، أو فتح معابر واستئناف العلاقات التجارية والاقتصادية، والحديث عن مشروع اعمار سوريا والدور العربي المقترح في هذا السياق اضافة للتحركات العربية الراهنة لعودة سوريا إلى موقعها في الجامعة العربية في تونس قبل نهاية مارس المقبل، وبالتالي فإن دخول قوات عربية في مسرح العمليات في سوريا سيحتاج إلى مراجعات وحسابات عربية سورية بالأساس، وليست أمريكية كما قد تتصور وزارتي الدفاع والخارجية، والتي تتخوف من ترك الأمور وفقا لسيناريوهات مفتوحة ومشاهد عامة ربما ستكلف الإدارة الأمريكية الكثير من التبعات حال الانسحاب بدون تقديرات محددة.
ولهذا فإن الإدارة الأمريكية ستضع عدة أولويات منها تأمين مصالحها كما أسلفنا والحفاظ على مصالح حلفائها، خاصة أن روسيا تدرك أن هناك مصالح أطراف مثل تركيا وإسرائيل بل وايران يجب أن تراعي من كل الأطراف في إطار معادلة سياسية واستراتيجية، وهو ما تعمل به الإدارة الأمريكية لكن ستبقي تساؤلات مطروحة منها على سبيل المثال، وماذا عن الجانب التركي الذي سيعمل على تثبيت مصالحه وأهدافه على الأرض بصرف النظر عن التفاصيل التي سيطرحها تطور الأوضاع على الأرض حال تنفيذ أو تأجيل الانسحاب الأمريكي لعدة شهور أخرى بعد الأربعة أشهر أخرى بحجة عدم وجود جدول معد سلفا يمكن التعامل معه بجدية حال استمرار التباين الراهن في الإدارة الأمريكية حول إطار ومضمون الانسحاب الأمريكي الكامل من سوريا.
ثالثا: تتعامل الإدارة الأمريكية، ومن واقع ما تم متابعته في الدوائر الأمريكية وخاصة بيوت الخبرة ومراكز البحوث الأمريكي فإن الإدارة الأمريكية ستستمر في إعادة تدوير فكرة الناتو العربي، وإيجاد آلية عربية تضم دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن لمواجهة التطورات الإقليمية وخاصة التهديدات الإيرانية لأمن الإقليم بأكمله، وهو ما يتطلب التوصل إلى ضبط في المواقف والتوجهات العربية التي يمكن التعامل معها في ظل تنسيق عربي أمريكي تم طرحه منذ عدة أشهر وتم تأجيله، خاصة أن الإدارة الأمريكية ستعمل على تطوير وتنمية علاقاتها العربية الإقليمية انطلاقا من مصالح مشتركة وفوائد متبادلة، وهو ما تعمل عليه الإدارة الأمريكية وتري فيه حسابات استراتيجية وسياسية كاملة مما يؤكد على أن فكرة ناتو عربي ربما سيكون لها مداخل واقترابات عدة ليس من بينها فقط إتمام هيكل محدد، وإنما ربما يكون في سياق إجراءات وتدابير محددة وليس فقط مجرد مناقشات أو مداولات سياسية فقط قد لا تدخل حيز التنفيذ في الوقت الراهن، ولكن ستظل تطرح الإدارة الأمريكية صورا وأشكالا متعددة لمواجهة التهديدات الأمنية والاستراتيجية التي تطرحها إيران لحين عودتها إلى التفاوض والقبول بالطرح الأمريكي وبناء اتفاق جديد تراعي فيه المطالب الأمريكية بالأساس، وتدفع ايران بعدم التدخل في شئون الدول العربية وإيقاف البرنامج الصاروخي الذي يمثل خطرا على الأمن الإقليمي، ومن ثم فإن الإدارة الأمريكية ستدخل في سلسلة من المفاوضات مع الدول العربية وإسرائيل بشان السياسات والبدائل المطروحة للتعامل مع إيران، خاصة أن المنطقة تمر بحالة من عدم الاستقرار والاضطراب التي قد تستمر فترة طويلة، وهو ما تدرك تبعاته هذه الإدارة التي تتأهب للترشح مرة أخرى بعد 2020.
رابعا: تشير تبعات التحركات الأمريكية الراهنة، والتي عبرت عنها تحرك المسؤولين الأمريكيين في الشرق الأوسط إلى رغبة أمريكية في التعامل مع ملف الصراع العربي الإسرائيلي الذي يحتاج إلى معالجة مختلفة وفي ظل اعلان الإدارة الأمريكية بأنها على وشك أن تطرح صفقة القرن التي دعا اليها الرئيس الأمريكي، وتم تأجيلها أكثر من مرة في نفس التوقيت الذي تم منح الحكومة الإسرائيلية لتنفيذ مخططها الأمني والاستراتيجي في التعامل على الأرض مع ملفي اللاجئين عبر تجفيف منابع تمويل الوكالة الدولية الأونروا بعد قطع الإدارة الأمريكية دعمها السنوي إضافة لاستئناف مخطط البناء في المستوطنات التي تم إعادة مخططها في البناء الافقي والرأسي وفي مناطق أخرى خارج ما أقره مجلس المستوطنات القومي في إسرائيل إضافة لتكريس الاعتراف الأمريكي بالقدس عاصمة لإسرائيل، والمعنى أن الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا تنفيذ صفقة القرن فعليا دون الحاجة للإعلان على الأرض، وبالتالي فأي صيغة معروضة ان عرضت بعد اجراء الانتخابات الاسرائيلية المقرر لها في 9 أبريل المقبل ستكون مرفوضة أصلا من قبل الجانب الفلسطيني، وهو ما عبر عنه الرئيس محمود عباس في زيارته للقاهرة عندما سألته في اللقاء الذي جمعنا بالقاهرة مؤخرا عن تفاصيل صفقة القرن، ومعناها في الوقت الراهن وقال نصا إنها انتهت لا وجود لها ولن يقبل بها أي فلسطيني، ولن ينهي حياته بخيانة أو تنازل من أي نوع وهو ما يؤكد على أن الفلسطينيين لن يتعاملوا مع أي طرح أمريكي، وبالتالي فما سوف يطرحه الجانب الأمريكي مرفوض مسبقا ولن يحظى بأي دعم من مصر أو الأردن خاصة مع استمرار المخطط الأمريكي في التعامل من جانب واحد، وهو ما سوف يؤدي لتداعيات حقيقية مكلفة على إسرائيل التي تتصور أن ما يهمها الآن وقف
إطلاق الصواريخ من غزة، وتقديم سلسلة من التسهيلات الأمنية والاقتصادية فأصل المشكلة ومضمونها في السلطة الفلسطينية ومخططها الرافض لكل ما يجري إسرائيليا وأمريكيا وهو ما يمكن أن يكون له تداعيات مكلفة لاحقا، خاصة أن طرح أي بدائل للمشروع الأمريكي الذي رفض قبل أن يتم تقديمه لن يخدم أي طرف وقد يؤدي إلى تداعيات حقيقية ومن ثم فإن الإدارة الأمريكية ستفشل قبل أن تبدأ في التعامل مع أي مسار سياسي بديل، خاصة أن الوقت لن يسعفها خلال الأشهر المقبلة وبدء الاستعدادات التأهيلية للانتخابات الرئاسية، والتي تبدأ رسميا قبل موعدها الرسمي بعدة أشهر طويلة.
إن الإدارة الأمريكية لديها حساباتها السياسية والاستراتيجية، والتي تدرك أنها في حاجة لترتيب وفقا للسياسات المصلحية ليس في سوريا وتجاه ايران وفي الأمن الإقليمي وفي التعاملات العربية الإسرائيلية فقط بل يمتد أيضا إلى نطاقات استراتيجية ممتدة في ظل مصالح متشابكة ومتفاعلة مع دول الإقليم والتي تتباين وفقا لرؤية كل دولة وليس صحيحا أن الدول العربية ستقدم شيكا على بياض للجانب الأمريكي، كما قد يتصور البعض وإنما لغة المصالح هي التي ستفرض نفسها، وستقر بالمصالح المشتركة وليست مصلحة الولايات المتحدة فقط، وهو ما يجب على الإدارة الأمريكية تفهمه من واقع أن المصالح الأمريكية في الإقليم معلومة وواضحة، ومن المهم مراعاة وحساب وتقدير المصالح العربية في مواجهة المخططات الإسرائيلية والإيرانية والتركية، والتي تسعي لفرض وقائع وسياسات انفرادية على العالم العربي.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات