النموذج الأمثل لأسواق الكربون.. صراع بين الصرامة القانونية والمرونة الاستثمارية
مع تصاعد تداعيات أزمة المناخ عالميا، أصبحت أسواق الكربون إحدى الأدوات الرئيسية التي تدعم تمويل التحول نحو اقتصاد منخفض الانبعاثات، وتشجع الشركات والدول على الاستثمار في الحلول المناخية.
ورغم الجدل المستمر حول فعاليتها وآليات تطبيقها، فإنها باتت جزءا من النقاشات الرسمية داخل اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، كما تناقَش في إطار المادة السادسة من اتفاق باريس، بعد أن كانت موجودة ومتداولة منذ بروتوكول كيوتو، بل وأبعد من ذلك في بعض صورها.
وتقوم أسواق الكربون على نظامين رئيسيين: الإلزامي والطوعي، فماذا يعني كل منهما؟ وأيهما أكثر ملاءمة للدول النامية؟
النظام الإلزامي
يعد النظام الإلزامي إطارًا تفرضه الدولة أو الجهة التنظيمية على الشركات بشكل قانوني، بهدف إلزامها بخفض انبعاثاتها أو شراء تصاريح لتغطية الانبعاثات الزائدة عن الحدود المسموح بها.
فالشركات التي تتجاوز سقف الانبعاثات المحدد تحتاج إلى تصاريح قانونية، وغالبًا ما تتحمل تكلفة مالية مقابل تلك التصاريح.
ومن أبرز الأمثلة العالمية على هذا النموذج نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي (EU ETS)، الذي انطلق عام 2005 في إطار بروتوكول كيوتو.
ويتميز هذا النظام بفعاليته البيئية، إذ يضع سقفًا قانونيًا واضحًا ومُلزمًا للانبعاثات، مع آلية رقابية صارمة لضبط الأداء وتحقيق الأهداف المناخية.
النظام الطوعي
أما النظام الطوعي لأسواق الكربون، فهو غير ملزم قانونيًا، وتلجأ إليه الشركات والمؤسسات لشراء أرصدة الكربون بهدف تحقيق الحياد الكربوني أو تحسين صورتها البيئية وتعزيز مكانتها لدى المستهلكين والشركاء.
وأرصدة الكربون تمثل شهادات تُثبت خفض أو إزالة طن واحد من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، عبر دعم مشاريع بيئية مثل زراعة الأشجار أو تمويل مشروعات الطاقة المتجددة.
ويتميز هذا النظام بمرونته وقدرته على جذب التمويل والاستثمارات، خاصة إلى الدول النامية أو الأقل نموًا، عبر تشجيع المشاريع البيئية المحلية.
أي النظامين أفضل للدول النامية؟
يرى خبير البيئة والمناخ والمنسق المصري السابق لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ (UNFCCC)، هشام عيسى، أن النظام الطوعي هو الأنسب للدول النامية، موضحا أن النظام الإلزامي بطبيعته أكثر صرامة، وتتمسك به غالبا الدول الأوروبية، بينما تتسم الأسواق الطوعية بمرونة أكبر وقدرة أعلى على جذب الاستثمارات الأجنبية.
ويضيف عيسى، خلال حديثه لـ«العين الإخبارية»، أن أرصدة الكربون الطوعية توفر مرونة أكبر في التطبيق، وتسهم في استقطاب التمويل الدولي بشكل يفوق ما تتيحه الأنظمة الإلزامية.
في المقابل، تسعى الدول المتقدمة إلى الحفاظ على الأنظمة الإلزامية، إذ يشير عيسى إلى أن هذا النظام يحقق لها فوائد اقتصادية وتنظيمية أكبر، مع نقل جزء من عبء خفض الانبعاثات تدريجيًا إلى الاقتصادات الأقل نموًا.
كما أن النظام الإلزامي يتطلب بنية اقتصادية متقدمة، وقواعد بيانات دقيقة، وأطر رقابية مؤسسية قوية، وهي مقومات تتوافر غالبًا في الدول الصناعية التي تتحمل تاريخيًا الحصة الأكبر من الانبعاثات. أما في العديد من الدول النامية، فغياب البيانات الدقيقة، وضعف البنية الإدارية، والتحديات الاقتصادية والاجتماعية، قد يجعل تطبيق نظام إلزامي صارم عبئًا إضافيًا يضغط على مسارات النمو.
وعليه، قد يبدو النظام الإلزامي مناسبًا للهياكل الاقتصادية المتقدمة، بينما تظل الأنظمة الطوعية خيارًا أكثر مرونة وملاءمة للدول النامية، مع ما تحمله من فرص وتحديات في آنٍ واحد.