سياسة

واشنطن وطهران.. هل تكفي العقوبات؟

الثلاثاء 2018.11.6 09:20 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 332قراءة
  • 0 تعليق
عاطف السعداوي

دخلت أمس الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية على إيران حيز التنفيذ، وهي التي تستهدف تحديدا قطاعات الطاقة والمصارف والشحن، ومع هذه الحزمة التي وصفها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بـ"العقوبات الأشد في التاريخ"، تكون واشنطن قد أعادت كل العقوبات التي كانت مفروضة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين قبل توقيع الاتفاق النووي 2015، لكن مع اختلاف جوهري يتمثل في أن العقوبات هذه المرة تفرض بشكل منفرد من قبل واشنطن، مع معارضة أوروبية، وإعفاءات أمريكية مؤقتة لثماني دول ستواصل استيراد النفط الإيراني، مقابل عشرين دولة كانت إدارة أوباما قد أعفتها من الالتزام بتطبيق العقوبات بين عامي 2012 و 2015

طهران الآن أضعف من أي وقت مضى، وليس لديها القدرة على القيام بأي خطوات تصعيدية لمواجهة هذه العقوبات، فالجبهة الداخلية تعاني شرخا كبيرا جراء سياسات النظام الإيراني الاقتصادية، والدعم الشعبي للنظام يتراجع يوما بعد يوم، وأوراقها في الإقليم تتبعثر

الخطوة الأمريكية الأخيرة تثير الكثير من التساؤلات المتعلقة بمدى فاعلية الحزمة الجديدة من العقوبات، أبرزها هل تنجح هذه العقوبات بالفعل في تحقيق الهدف المرجو منها و"تحجيم نفوذ طهران"؟، وهل يمكنها أن تؤثر بقوة على الاقتصاد الإيراني بشكل يؤدي إلى "تداعيات مفيدة" في الداخل الإيراني؟ وأخيرا ما هو رد الفعل الإيراني المحتمل؟ هل يتجه إلى التصعيد أم إلى الرضوخ؟ وهل إيران بالفعل قادرة على اتخاذ أي خطوات تصعيدية لمواجهة هذه العقوبات القاسية؟

بداية يمكن القول إن الحزمة الأخيرة من العقوبات هي الخطوة الأمريكية الأهم حتى الآن لأنها تستهدف القطاعات الأساسية للاقتصاد الإيراني،  وتغطي عمليات الشحن وبناء السفن والتمويل والطاقة، وسيتم وضع أسماء أكثر من 700 فرد وكيان على قائمة العقوبات، بما في ذلك البنوك الكبرى ومصدرو النفط وشركات الشحن، 400 منها كانت مدرجة قبل توقيع الاتفاق النووي، هذه العقوبات تأتي ضمن ما تقول الإدارة الأمريكية إنه إستراتيجيتها للتعامل مع إيران، والتي طرحتها بعد الانسحاب من الاتفاق النووي في مايو الماضي، وهي استراتيجية لا يزال المسؤولون الأمريكيون يؤكدون أن الهدف الرئيسي منها هو دفع النظام الإيراني للاختيار بين "التخلي عن نهجه المدمر أو مواصلة الطريق نحو كارثة اقتصادية"، حيث أكد البيت الأبيض أن العقوبات تستهدف العائدات التي تستخدمها طهران لتمويل برنامجها النووي والصاروخي، وإشعال النزاعات الإقليمية، ودعم الإرهاب وإثراء قادتها، وهنا يتجدد الحديث عن قائمة من 12 مطلباً اشترطت واشنطن على طهران الالتزام بها قبل تطبيع العلاقات معها، تتمثل أهمها في الكشف عن كل التفاصيل المرتبطة ببرنامج طهران النووي، والسماح لوكالة الطاقة الذرية بالتفتيش المستمر، والتوقف عن تخصيب اليورانيوم، وغلق المفاعل الذي يعمل بالماء الثقيل، ووضع حد لانتشار الصواريخ الباليستية والصواريخ التي يمكن أن تحمل رؤوسًا نووية، ووضع حد لدعم "المجموعات الإرهابية في الشرق الأوسط”، ووضع حد لدعم فيلق القدس في الحرس الثوري،ووضع حد لدعم ميليشيات جماعة الحوثي في اليمن، والانسحاب من سوريا وسحب ميليشيات الحرس الثوري الإيراني من هناك.

إذن العقوبات الأمريكية هنا ليست استراتيجية في حد ذاتها أو هدفا في حد ذاته، ولا ينبغي لها أن تكون كذلك حتى لو كانت ناجحة، وإنما هي، أو هكذا يجب أن تكون، أداة من ضمن أدوات أخرى لتحقيق أهداف الإستراتيجية الأمريكية الجديدة حيال إيران، والتي بدأت بإعلان ترامب انسحاب بلاده من الاتفاق النووي، تلاه إعلان وزارة الخارجية الأمريكي، أن بلادها بصدد تشكيل تحالف دولي ضد إيران بهدف "مراقبة النظام الإيراني من خلال منظور أكثر واقعية، ليس من خلال منظور الاتفاق النووي فقط، بل من خلال كل أنشطته المزعزعة للاستقرار التي لا تشكل تهديداً للمنطقة فحسب بل للعالم أجمع"، وهو التحالف الذي بدأ يتبلور تدريجيا فيما يعرف بـ"تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي"، ثم جاءت الشروط الاثنا عشر التي أعلنها وزير الخارجية الأمريكي في خطابه أمام مؤسسة التراث وجعل تنفيذها من قبل إيران شرطاً لتطبيع العلاقات معها، في هذا الخطاب لم يشأ بومبيو أن يغلق الباب أمام إيران بالمطلق، وأبدى انفتاحاً مشروطاً إزاء النظام الإيراني، قائلاً إنه مستعد للتفاوض معه على "اتفاق جديد" أوسع بكثير من اتفاق 2015 ولكن أكثر صرامة بهدف تغيير سلوك النظام، قائلاً إنه في مقابل القيام بتغييرات كبيرة في إيران فإن الولايات المتحدة مستعدة لرفع العقوبات في نهاية المطاف وإعادة جميع العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع إيران، وهنا يتضح أن الهدف الأمريكي من إعادة فرض العقوبات هو إعادة الوضع مع إيران إلى ما كان عليه في عام 2012 عندما كانت إيران منبوذة من قبل المجتمع الدولي، وتخضع لعقوبات دولية كبيرة، وهو ما جعل الإيرانيون وقتها يشعرون بحاجتهم الملحة للتفاوض الذي أفضى في النهاية إلى الصفقة المعروفة التي تم توقيعها في 2015، وبالتالي يرى ترامب أن العقوبات القاسية على النظام الإيراني ستجبره ليس فقط على الجلوس على مائدة المفاوضات، ولكن أيضا في تقديم تنازلات أثناء التفاوض بما يؤدي إلى الوصول إلى اتفاق عادل، لا يقتصر فقط على موضوع الملف النووي وإنما يعالج جميع تجليات السلوك الإيراني العدائي في المنطقة كتدخله في شؤون دول المنطقة وتهديده لأمن الحلفاء التقليديين لواشنطن، ودعمه لمليشيات مسلحة وجماعات إرهابية، بالإضافة إلى البرنامج الصاروخي المثير للجدل، فالإدارة الأمريكية ربما تكون أدركت مؤخرا، حقيقة أن خطر إيران في مشروعها وليس فقط في برنامجها النووي، لذا تسعى واشنطن لصياغة مقاربة شاملة تتعامل مع المشروع الإيراني برمته وليس فقط مع تجلياته النووية. والعقوبات فقط إحدى أدواتها وليست الأداة الوحيدة.

وفيما يتعلق برد الفعل الإيراني أعتقد أن طهران الآن أضعف من أي وقت مضى، وليس لديها القدرة على القيام بأي خطوات تصعيدية لمواجهة هذه العقوبات، فالجبهة الداخلية تعاني شرخا كبيرا جراء سياسات النظام الإيراني الاقتصادية، والدعم الشعبي للنظام يتراجع يوما بعد يوم، وأوراقها في الإقليم تتبعثر، وما يحدث في العراق وسوريا من رفض للوجود الإيراني خير دليل على ذلك، وبالتالي اعتقد أن النظام الإيراني لا يملك حاليا من الأدوات ما يمكنه من تنفيذ تهديداته المتكررة، ولعل خير دليل على ذلك هو تصريحات وزير الخارجية الإيراني التي جاءت بعد ساعات قليلة من فرض الجولة الثانية من العقوبات، والتي قال فيها إن طهران مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة إذا غيرت واشنطن توجهاتها بشأن الاتفاق النووي، ويبدو أن هذا التصريح سيكون له ما وراءه.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات