سياسة

العقوبات ومحك شرعية النظام الإيراني

الثلاثاء 2018.11.6 08:04 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 335قراءة
  • 0 تعليق
محمد خلفان الصوافي

نظام الملالي في إيران دخل من يوم أمس -الإثنين- في حالة سياسية صعبة في تاريخه منذ نجاح ثورته في عام 1979، وربما لم يشهد مثلها من قبل، فهو أمام اختبار حقيقي لشرعيته من خلال خيارين لا يوجد بينهما "حلو" يناسب ممارساته السياسية التي سمحت له بالاستمرار لأكثر من أربعة عقود من الخداع السياسي والكذب على الشعب الإيراني، وما يؤكد صعوبة الحالة السياسية أن النظام غير قادر على التحرك حتى بالتعبير عن غضبه أو الصراخ الإعلامي للدفاع عن موقفه من العقوبات الاقتصادية التي قررت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فرضها منذ فترة وهو ليس من ثقافة النظام الإيراني المتشنج دائماً.

الرهان الإيراني المعتاد على الموقف الأوروبي أو مواقف بعض الدول العربية الإقليمية للخروج من التضييق عليها لم يعد موجوداً، فالأوروبيون ليسوا في موقف سياسي مع إدارة الرئيس ترامب يسمح لهم بلعب دور يخفف من الحالة السياسية العسرة للنظام الإيراني

لترامب طلب واحد من النظام الإيراني ولكن يتبعه قرار واثنان، الطلب والقرار، في يدهما أمر "فضح" وكشف النظام أمام الرأي العام الداخلي والخارجي وهما بمعيار المطالب الشعبية الحالية يسقطان النظام سياسياً ولكن قد يحتاج الأمر إلى بعض الوقت ولكن مصيره الانتهاء. أما ما يردده ترامب وغيره من السياسيين والمحللين بأن الهدف من العقوبات والطلب هو تعديل سلوك النظام الإيراني وليس إسقاطه فهو لا يتعدى منطق تبسيط الفكرة للحالة الصعبة لإيران، ويكمن الطلب في التخلي عن البرنامج النووي الذي صرف عليه الكثير من الأموال وبنى شرعيته بأنه مشروع وطني إيراني عظيم تجعل منه قوة تصنفه من الدول المؤثرة سياسياً وأن مسألة السماح لفتح إيران مفاعلاتها النووية أمام لجان التفتيش الدولية أمر يعتبره النظام الإيراني مساسا بالسيادة الوطنية.

 وفي حالة رفضه لذلك الطلب فإنه يضع نفسه أمام الخيار الثاني، وهو تطبيق العقوبات الاقتصادية، وهذا يعني بالتبعية الدخول في المحك الثاني للشرعية وهو محك التشكيك في شرعية تصدير الثورة إلى الجوار الجغرافي والمتمثل في تمويل المليشيات السياسية في المنطقة بدءاً بحزب الله اللبناني والحوثيين والتنظيمات الشيعية في العراق وهنا يعني الدخول في محاسبة الشعب الإيراني حول الهدر المالي لخلق العداءات في المنطقة دون جدوى وهناك يكون الأمر طبيعياً أن نشهد خروج الناس عن طورهم على نظام يكذب عليهم طوال هذه الفترة.

إذا حاولنا تنزيل هذين القرارين على أرض الواقع الإيراني سنجد أن دونالد ترامب وضع النظام الإيراني في مأزق سياسي حقيقي بغض النظر عما ستسفر عنه نتيجة الانتخابات النصفية للكونجرس الأمريكي (مجلس النواب ومجلس الشيوخ) التي ينتظرها الجميع ليس فقط النظام الإيراني، والتي يتوقع أن يفوز فيها الديمقراطيون لأن نظام الملالي لن يستطيع تنفيذ الطلبين؛ لأن في واحد منهما نهاية له، وأما الرهان الإيراني المعتاد على الموقف الأوروبي أو مواقف بعض الدول العربية الإقليمية للخروج من التضييق عليها لم يعد موجوداً، فالأوروبيون ليسوا في موقف سياسي مع إدارة الرئيس ترامب يسمح لهم بلعب دور يخفف من الحالة السياسية العسرة للنظام الإيراني، والدول الإقليمية لم تعد لديها مساحة للمناورة إقليمياً ودولياً، بل على الجميع العمل من أجل التعامل مع العقوبات الأمريكية أو مع تأثيرها وردة فعل النظام الإيراني.

ورغم الصبر الذي يجيده النظام الإيراني وفق نظرية "صانع السجاد" والتي جعلته يخرج من المآزق السياسية الكثيرة ورغم أسلوبه الأمني في السيطرة على الداخل الإيراني لقمع أي عملية مظاهرات أو اعتصامات معبرة عن غضب الشعب من سياستهم، فإن الأمر في هذه الحالة لا يمكن تحقيقه بسهولة ولا يجوز مقارنته بالمرات السابقة على اعتبار أن الظروف السياسية الدولية والإقليمية وحتى المحلية في إيران ليست كما هي في السابق، فـ"الترميم" السياسي لإصلاحات وهمية "والديكور" للضحك على الرأي العام العالمي لن يكون مضموناً بل هو وقود لزيادة الضغط عليه داخلياً.

العقوبات الأمريكية الحالية هدفها إفراغ نظام الملالي من مضمونه وإلغاء شرعيته السياسية، وبالتالي فإننا أمام مرحلة جديدة من السياسة الخارجية الإيرانية نحتاج إلى بعض الوقت لتقييمها.


الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات