سياسة

على ماذا تفاهمت واشنطن مع أنقرة؟

الأربعاء 2018.3.14 09:32 صباحا بتوقيت أبوظبي
  • 189قراءة
  • 0 تعليق
 د. سمير صالحة

لا أحد يعرف الكثير عن خطة التفاهمات التركية الأمريكية في شمال سوريا الهادفة لتخفيف التوتر وهيمنة عدم الثقة والمخاوف من مواجهة عسكرية بينهما في سوريا، لكنه الاختبار الأول في محاولة إنقاذ العلاقات الذي استمر يومين كاملين وتخلله أكثر من 20 ساعة تفاوضاً في العاصمة الأمريكية بين فرق عمل البلدين.

وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو، يقول إن بلاده اتفقت مع الولايات المتحدة على تحقيق الاستقرار في مدينة منبج السورية. شاووش أوغلو يقول أيضاً إن الاتفاق التركي الأمريكي تم حول منبج وإنه بعد انسحاب "وحدات حماية الشعب" الكردية من غرب الفرات فستتولى قوى عسكرية تركية أمريكية مشتركة حفظ الأمن هناك، وإن خطة منبج بين البلدين ستطبق في شرق الفرات لاحقاً.

 أنقرة تريد أن تساوم الروس في عفرين وتفاوض الأمريكيين في منبج، لكنها تتجاهل احتمال حدوث التفاوض الروسي الأمريكي مباشرة ومن وراء ظهرها إذا ما شعرا بأن الطريق للوصول إلى ما يريدان سيكون أضمن وأقصر

من المعروف أن العلاقات التركية الأمريكية تراجعت بشكل غير مسبوق؛ بسبب تجاهل الإدارة الأمريكية لمصالح تركيا في سوريا وبينها خطة المنطقة الآمنة، الرئيس التركي فعل أكثر من ذلك، اتهم التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن بتقديم الدعم العسكري واللوجستي إلى داعش والوحدات الكردية في سوريا، عندما كانت المفاوضات التركية الأمريكية مستمرة في واشنطن بين لجنة العمل المشترك لبحث الملف السوري؛ وجّه الرئيس التركي أردوغان رسالتين أساسيتين إلى واشنطن: الأولى كانت عبر حلف شمال الأطلسي وتذكيره بواجباته لحماية حدود دولة شرق أوسطية في الحلف "أخاطب الناتو.. أين أنتم؟ تعالوا إلى سوريا، لماذا لا تأتون؟ أليست تركيا إحدى دول الناتو؟ دعوتمونا إلى أفغانستان والصومال والبلقان فلبينا النداء، والآن أنا أدعوكم: تعالوا إلى سوريا.. لماذا لا تأتون؟"، والثانية بإعلانه أنه بعد الانتهاء من عملية عفرين ستتحرك القوات التركية نحو منبج وعين العرب وتل أبيض ورأس العين والقامشلي لإخراج عناصر "حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي" منها وإبعادها عن مناطق الحدود التركية السورية.

باختصار إذاً مطالب أنقرة كثيرة وفي غالبيتها إضعاف للورقة الأمريكية بشقها الكردي في سوريا: إخراج القوات الكردية من منبج واستبدالها بقوة عربية أمريكية مشتركة تضم ألف مقاتل من "مجلس منبج العسكري".

تعهّد أمريكي بتعديل الإطار السياسي والعسكري الذي يهيمن فيه الأكراد على "قوات سوريا الديمقراطية".

 طي صفحة "حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي" في سوريا.

الاتفاق على إعادة التركيبة السكانية في شمال البلاد إلى وضعها السابق عند بداية اندلاع الثورة السورية، وتقليص نفوذ المليشيات الكردية على المكوّن الكردي في شمال سوريا وتسريع بناء شراكات وازنة في شمال وشرق سوريا.

أنقرة تردد أنها أبلغت الحليف الأمريكي أكثر من مرة بخيبة أملها لعدم التزام واشنطن بوعودها، لذلك تحركت في عفرين وهي ستفعل الأمر نفسه في منبج والمدن الواقعة شرقي نهر الفرات، لأن 95% من سكان تلك المناطق هم من العرب، وأنها تتطلع لسحب المجموعات الكردية من غرب الفرات مقابل التفاهم التركي الأمريكي على رسم الخرائط في شرق الفرات، فهل تعطيها واشنطن ما تريد وتغامر بهدم ما بنته من تحالفات محلية مع الأكراد في شمال وشرق سوريا بمثل هذه البساطة؟

التحرك العسكري التركي باتجاه عفرين وتمسك أنقرة بالتوجه إلى منبج بعد ذلك لا يمكن فصله عن التوتر التركي الأمريكي الذي اندلع قبل عامين؛ بسبب التباعد في تحديد الموقف من أكراد شمال سوريا، فهل ستغير الولايات المتحدة رأيها مثلاً وتقبل بإدراج حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي على لائحة التنظيمات الإرهابية التي أعلنتها تركيا، وستطالب باسترداد شحنات السلاح والعتاد التي أرسلتها إلى الوحدات الكردية، وتتراجع عن اتهاماتها لأنقرة بالكشف عن خريطة وجود قواعدها العسكرية السرية وانتشارها في سوريا؟

واشنطن تعتمد أسلوب عدم التعقيب على ما يردد في أنقرة، والاكتفاء بالقول إن الولايات المتحدة وتركيا اتفقتا على أن لا يتحركا بعد الآن كل بمفرده في شمال سوريا، وأن الزيارة المرتقبة لوزير الخارجية التركي إلى واشنطن في ‪19 مارس‬ المقبل ستسهم في انجلاء الأمور بشكل أكبر، لكن وزير الخارجية الأمريكي المقال تيلرسون هو نفسه الذي كان يردد قبل أيام في ختام اجتماع التحالف الدولي لمحاربة داعش "لقد حرفت العملية العسكرية التركية في عفرين مسار معركتنا ضد تنظيم داعش في شرق سوريا بعدما انتقلت قوات كردية من هناك باتجاه عفرين".

مثال بسيط، ما الذي قد يحدث إذا ما قررت واشنطن "مركز الثقل والمحرك الأهم في حلف الأطلسي" إرسال القوات إلى الأراضي السورية استجابة للطلب التركي؟ رغم استحالة حدوث سيناريو من هذا النوع، فالخطوة ستكون حتماً على حساب مصالح تركيا في سوريا، في العلن قد تكون خطوة داعمة للتحرك التركي لمحاربة المجموعات الكردية، لكنها في الأساس ستكون خطوة حماية للوحدات الكردية من العمليات العسكرية التركية، حيث ستلزم تركيا بما يقوله الحلف وهذا ما حدث تماماً عام 2006 حين دعا سفير الولايات المتحدة السابق في الأمم المتحدة ريتشارد هولبروك بلاده للتدخل السريع في شمال العراق عبر الأطلسي نفسه لحماية حلفاء واشنطن الأكراد في أربيل والسليمانية من احتمال الهجوم العسكري التركي الواسع.

أنقرة تريد أن تساوم الروس في عفرين وتفاوض الأمريكيين في منبج، لكنها تتجاهل احتمال حدوث التفاوض الروسي الأمريكي مباشرة ومن وراء ظهرها إذا ما شعرا بأن الطريق للوصول إلى ما يريدان سيكون أضمن وأقصر.

الإدارة الأمريكية لم تتردد أكثر من مرة في التعبير عن قلقها من التقارب التركي الروسي، وتأكيدها أن أهداف الإدارة الأمريكية تقوم "على عدم تعقيد العلاقات مع تركيا بشكل أكبر، والعمل على إيجاد سبل لإعادة الانخراط بين الجانبين وتعزيز العلاقات"، لكن الكثير من المعطيات تقول إن الأمور تتقدم باتجاه آخر، ما تفعله واشنطن ولا تقوله هو ترك تركيا بين خيارين أحلاهما مرّ في سوريا: توريطها أكثر فأكثر في المستنقع السوري، أو إجبارها على الخروج من المشهد بملء إرادتها.

التفاهم التركي الأمريكي في أواخر فبراير المنصرم بعد زيارة وزير الخارجية الأمريكي السابق لأنقرة على تشكيل آلية لمناقشة الخلافات الثنائية والإقليمية بينهما، لا يعني بالضرورة أن الخلافات قد سويت وأن المواقف والخطط التي يطرحها كل طرف حول شمال سوريا قد توحدت حول تفاهمات مشتركة تمتص حالة التصعيد والتوتر.

لا انطباعات واضحة بعد حول نتائج الاجتماع الأول للجنة المشتركة بين الجانبين الذي عقد في واشنطن، الاختبار الحقيقي لنتائج المحاولة التركية الأمريكية الجديدة ستصدر نتائجه بعد زيارة وزير الخارجية التركي مولود شاووش أوغلو لواشنطن في الأسبوع المقبل.

على الورق كل شيء ممكن لكن خلال التطبيق حسابات الحقل والبيدر ستختلف حتماً، هناك ما ستقوله موسكو أيضاً حليفة النظام وإيران في سوريا إذا ما وجدت أن خطة التفاهم التركي الأمريكي تتعارض مع مصالحها وحساباتها في شمال شرق سوريا، حيث كانت هي أول مَن اقترح مسودة دستور فيدرالي للبلاد يعطي الأكراد الحكم الإداري الذاتي المستقل في منبج وكوباني والقامشلي وأجزاء من دير الزور والرقة.

حديث في الإعلام عن تحرك الدبلوماسية الفرنسية لإعداد مشروع قرار أممي جديد يقدم إلى مجلس الأمن يطالب بحظر حركة الطيران العسكري فوق الغوطة الشرقية وعفرين، إذا كانت هذه المعلومات صحيحة فهذا يعني أن حصار عفرين سيطول وأن تركيا ستجد نفسها على مسافة واحدة من الحالة القائمة في الغوطة، وأن التفاهم الأمريكي الروسي هو الذي سيأخذ زمام الأمور لإعادة صناعة المشهد السوري سياسياً وأمنياً.

البعض في أنقرة وواشنطن ما زال يتحدث عن امتلاك الطرفين التركي والأمريكي للكثير من الأوراق التي لم تلعب ضد بعض ومعظمها له علاقة بملفات حساسة تتعلق بصفقات وعقود تجارية بطابع سياسي، واحتمال تحريك هذه المسائل إذا ما شعرت القيادات السياسية في البلدين بأن مفاوضاتها تسير نحو طريق مسدود.

الآراء والمعلومات الواردة في مقالات الرأي تعبر عن وجهة نظر الكاتب ولا تعكس توجّه الصحيفة
تعليقات